تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
وجملة
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو خبر ثان عن
رَبَّكُمُ
. والتدبير : النظر في عواقب المقدرات وعوائقها لقصد إيقاعها تامة فيما تقصد له محمودة العاقبة . والغاية من التدبير الإيجاد والعمل على وفق ما دبر . وتدبير اللّه الأمور عبارة عن تمام العلم بما يخلقها عليه ، لأن لفظ التدبير هو أوفى الألفاظ اللغوية بتقريب إتقان الخلق . والأمر : جنس يعم جميع الشؤون والأحوال في العالم . وتقدم في قوله :
وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ
في سورة براءة [ 48 ] . وفي إجراء هذه الصفات على اللّه تعالى تعريض بالرد على المشركين إذ جعلوا لأنفسهم آلهة لا تخلق ولا تعلم ؛ كما قال تعالى :
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
[ النخل : 20 ] . ولذلك حسن وقع جملة
ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
عقب جملة :
الَّذِي خَلَقَ
بتمامها ، لأن المشركين جعلوا آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، أي حماتنا من غضبه . فبعد أن وصف الإله الحق بما هو منتف عن آلهتهم نفي عن آلهتهم وصف الشفاعة عند اللّه وحماية المغضوب عليهم منه . وأكد النفي ب
مِنْ
التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي وانتفاء الوصف عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت ( من ) على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية . وزيادة
إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
احتراس لإثبات شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم بإذن الله ، قال تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] . والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الإلهية ، فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده . والشفاعة تقدست عند قوله تعالى :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ
في سورة البقرة [ 48 ] . وكذلك الشفيع تقدم عند قوله :
فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ
في سورة الأعراف [ 53 ] . وموقع جملة :
ما مِنْ شَفِيعٍ
مثل موقع جملة :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
. وجملة :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
ابتدائية فذلكة للجمل التي قبلها ونتيجة لها ، وهي معترضة بين تلك الجمل وبين الجملة المفرعة عليها ، وهي جملة :
فَاعْبُدُوهُ
، وتأكيد لمضمون الجملة الأصلية وهي جملة :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
.