اللَّهُ وَلَداً
[ يونس : 68 ] جاءت مجيء الاستدلال على فساد ظنهم وخرصهم بشواهد خلق الليل والنهار المشاهد في كل يوم من العمر مرّتين وهم في غفلة عن دلالته ، وهو خلق نظام النهار والليل .
وكيف كان النهار وقتا ينتشر فيه النور فيناسب المشاهدة لاحتياج الناس في حركات أعمالهم إلى إحساس البصر الذي به تتبين ذوات الأشياء وأحوالها لتناول ، الصالح منها في العمل ونبذ غير الصالح للعمل .
وكيف كان الليل وقتا تغشاه الظلمة فكان مناسبا للسكون لاحتياج الناس فيه إلى الراحة من تعب الأعمال التي كدحوا لها في النهار . فكانت الظلمة باعثة الناس على الراحة ومحددة لهم إبانها بحيث يستوي في ذلك الفطن والغافل .
ولما قابل السكون في جانب الليل بالإبصار في جانب النهار ، والليل والنهار ضدّان دلّ ذلك على أنّ علة السكون عدم الإبصار ، وأنّ الإبصار يقتضي الحركة فكان في الكلام احتباك .
ووصف النهار بمبصر مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتّى جعل النّهار هو المبصر . والمراد : مبصرا فيه الناس .
ومن لطائف المناسبة أنّ النّور الذي هو كيفية زمن النّهار ، شيء وجودي ، فكان زمانه حقيقا بأن يوصف بأوصاف العقلاء ، بخلاف الليل فإن ظلمته عدمية فاقتصر في العبرة به على ذكر الفائدة الحاصلة فيه وهي أن يسكنوا فيه .
وفي قوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ
طريق من طرق القصر وهو تعريف المسند والمسند إليه . وهو هنا قصر حقيقي وليس إضافيا كما توهّمه بعض الكاتبين إذ جعله قصر تعيين ، وهم معترفون به لا يستطيعون دفع هذا الاستدلال ، فالمقصود الاستدلال على انفراده تعالى بخصائص الإلهية التي منها الخلق والتقدير ، وأن آلهتهم انتفت عنها خصائص الإلهية ، وقد حصل مع الاستدلال امتنان على الناس بجعل الليل والنهار على هذا النظام .
وهذا الامتنان مستفاد من قوله :
جَعَلَ لَكُمُ
ومن تعليل خلق الليل بعلة سكون الناس فيه ، وخلق النهار بعلة إبصار الناس ، وكل الناس يعلمون ما في سكون الليل من نعمة وما في إبصارهم بالنهار من نعمة كذلك ، فإن في العمل بالنهار نعما جمّة من تحصيل رغبات ، ومشاهدة محبوبات ، وتحصيل أموال وأقوات ، وأن في السكون باللّيل نعما جمّة من