تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
عن أنس بن مالك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : فضل اللّه القرآن . ورحمته أن جعلكم من أهله ( يعني أن هداكم إلى اتباعه ) . ومثله عن أبي سعيد الخدري والبراء موقوفا ، وهو الذي يقتضيه اللفظ فإن الفضل هو هداية اللّه التي في القرآن ، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع الشريعة التي هي الرحمة في الدنيا والآخرة . وجملة :
هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
مبيّنة للمقصود من القصر المستفاد من تقديم المجرورين . وأفرد الضمير بتأويل المذكور كما أفرد اسم الإشارة . والضمير عائد إلى اسم الإشارة ، أي ذلك خير مما يجمعون . و
مِمَّا يَجْمَعُونَ
مراد به الأموال والمكاسب لأن فعل الجمع غلب في جمع المال . قال تعالى :
الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ
[ الهمزة : 2 ] . ومن المعتاد أن جامع المال يفرح بجمعه . وضمير
يَجْمَعُونَ
عائد إلى
النَّاسُ
في قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
[ يونس : 57 ] بقرينة السياق وليس عائدا إلى ما عاد إليه ضمير
فَلْيَفْرَحُوا
فإن القرائن تصرف الضمائر المتشابهة إلى مصارفها ، كقول عباس بن مرداس :
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا
ضمير ( أحرزوا ) عائد إلى المشركين الذين عاد إليهم الضمير في قوله : ( جمعهم ) . وضمير ( جمّعوا ) عائد إلى المسلمين ، أي لولا نحن لغنم المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم ، ومنه قوله تعالى :
وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
في سورة الروم [ 9 ] . وعلى هذا الوجه يظهر معنى القصر أتمّ الظهور ، وهو أيضا المناسب لحالة المسلمين وحالة المشركين يومئذ ، فإن المسلمين كانوا في ضعف لأن أكثرهم من ضعاف القوم أو لأن أقاربهم من المشركين تسلطوا على أموالهم ومنعوهم حقوقهم إلجاء لهم إلى العود إلى الكفر . وقد وصف اللّه المشركين بالثروة في آيات كثيرة كقوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ
[ المزمل : 11 ] وقال :
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ القلم : 14 ، 15 ] وقال :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ
[ آل عمران : 196 ، 197 ] ، فلعل المشركين كانوا يحتقرون المسلمين كما حكي عن قوم نوح قولهم :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
[ هود : 27 ] . وقد قال اللّه للنبي صلى اللّه عليه وسلم :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
إلى قوله :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
[ الأنعام : 52 ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 113 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور