عثمان : إنّما نزلت الآية في أهل الكتاب ، فقال أبو ذرّ : نزلت فيهم وفينا ، واشتدّ قول أبي ذرّ على الناس ورأوه قولا لم يقله أحد في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه فشكاه معاوية إلى عثمان ، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذر الفتنة في المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله .
والفاء في قوله :
فَبَشِّرْهُمْ
داخلة على خبر الموصول ، لتنزيل الموصول منزلة الشرط ، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر ، فضمير الجمع عائد إلى
الَّذِينَ
ويجوز كون الضمير عائدا إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون . والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أن ذكر آكلي الأموال الصادّين عن سبيل اللّه وذكر الكانزين ، أمر رسوله بأن ينذر جميعهم بالعذاب ، فدلّت الفاء على شرط محذوف تقديره : إذا علمت أحوالهم هذه فبشّرهم ، والتبشير مستعار للوعيد على طريقة التهكّم .
[ 35 ]
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 35 ]
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 )
انتصب
يَوْمَ يُحْمى
على الظرفية لعذاب [ التوبة : 34 ] ، لما في لفظ عذاب من معنى يعذّبون . وضمير
عَلَيْها
عائد إلى
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
[ التوبة : 34 ] بتأويلهما بالدنانير والدراهم ، أو عائد إلى
أَمْوالَ النَّاسِ
[ التوبة : 34 ] و
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
[ التوبة : 34 ] ، إن كان الضمير في قوله :
فَبَشِّرْهُمْ
[ التوبة : 34 ] عائدا إلى
الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ
و
الَّذِينَ يَكْنِزُونَ
[ التوبة : 34 ] .
والحمي شدّة الحرارة . يقال : حمي الشيء إذا اشتدّ حرّه .
والضمير المجرور بعلى عائد إلى
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
[ التوبة : 34 ] باعتبار أنّها دنانير أو دراهم ، وهي متعدّدة وبني الفعل للمجهول لعدم تعلّق الغرض بالفاعل ، فكأنّه قيل : يوم يحمي الحامون عليها ، وأسند الفعل المبني للمجهول إلى المجرور لعدم تعلّق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره : إذ هو النار التي تحمى ، ولذلك لم يقرن بعلامة التأنيث ، عدّي بعلى الدالّة على الاستعلاء المجازي لإفادة أنّ الحمي تمكّن من الأموال بحيث تكتسب حرارة المحمي كلها ، ثم أكّد معنى التمكّن بمعنى الظرفية التي في قوله :
فِي نارِ جَهَنَّمَ
فصارت الأموال محمية عليها النار وموضوعة في النار . وبإضافة النار إلى جهنّم علم أنّ المحمي هو نار جهنّم التي هي أشدّ نار في الحرارة فجاء تركيبا بديعا من البلاغة والمبالغة في إيجاز .