وضمير
يُعْطُوا
عائد إلى
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
.
والجزية اسم لمال يعطيه رجال قوم جزاء على الإبقاء بالحياة أو على الإقرار بالأرض ، بنيت على وزن اسم الهيئة ، ولا مناسبة في اعتبار الهيئة هنا ، فلذلك كان الظاهر . هذا الاسم أنّه معرب عن كلمة ( كزيت ) بالفارسية بمعنى الخراج نقله المفسّرون عن الخوارزمي ، ولم أقف على هذه الكلمة في كلام العرب في الجاهلية ولم يعرج عليها الراغب في « مفردات القرآن » . ولم يذكروها في « معرّب القرآن » لوقوع التردّد في ذلك لأنّهم وجدوا مادّة الاشتقاق العربي صالحة فيها ولا شكّ أنّها كانت معروفة المعنى للذين نزل القرآن بينهم ولذلك عرّفت في هذه الآية .
وقوله :
عَنْ يَدٍ
تأكيد لمعنى
يُعْطُوا
للتنصيص على الإعطاء و
عَنْ
فيه للمجاوزة . أي يدفعوها بأيديهم ولا يقبل منهم إرسالها ولا الحوالة فيها ، ومحلّ المجرور الحال من الجزية . والمراد يد المعطي أي يعطوها غير ممتنعين ولا منازعين في إعطائها وهذا كقول العرب « أعطى بيده » إذا انقاد .
وجملة
وَهُمْ صاغِرُونَ
حال من ضمير يعطوا .
والصاغر اسم فاعل من صغر - بكسر الغين - صغرا بالتحريك وصغارا . إذا ذلّ ، وتقدّم ذكر الصغار في قوله تعالى :
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ
في سورة الأنعام [ 124 ] ، أي وهم أذلّاء وهذه حال لازمة لإعطاء الجزية عن يد : والمقصود منه تعظيم أمر الحكم الإسلامي ، وتحقير أهل الكفر ليكون ذلك ترغيبا لهم في الانخلاع عن دينهم الباطل واتّباعهم دين الإسلام . وقد دلّت هذه الآية على أخذ الجزية من المجوس لأنهم أهل كتاب ونقل عن ابن المنذر : لا أعلم خلافا في أنّ الجزية تؤخذ منهم ، وخالف ابن وهب من أصحاب مالك في أخذ الجزية من مجوس العرب . وقال لا تقبل منهم جزية ولا بدّ من القتل أو الإسلام كما دلت الآية على أخذ الجزية من نصارى العرب ، دون مشركي العرب : لأنّ حكم قتالهم مضى في الآيات السالفة ولم يتعرّض فيها إلى الجزية بل كانت نهاية الأمر فيها قوله :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ
[ التوبة :
5 ] - وقوله -
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ
[ التوبة : 11 ] - وقوله -
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
[ التوبة : 15 ] . ولأنّهم لو أخذت منهم الجزية لاقتضى ذلك إقرارهم في ديارهم لأنّ اللّه لم يشرع إجلاءهم عن ديارهم وذلك لم يفعله النبي صلى اللّه عليه وسلم .