موقع جملة
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ
الاستئناف البياني ، لأنّ جملة :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
[ التوبة : 17 ] لمّا اقتضت إقصاء المشركين عن العبادة في المساجد كانت بحيث تثير سؤالا في نفوس السامعين أن يتطلّبوا من هم الأحقّاء بأن يعمروا المساجد ، فكانت هذه الجملة مفيدة جواب هذا السائل .
ومجيء صيغة القصر فيها مؤذن بأنّ المقصود إقصاء فرق أخرى عن أن يعمروا مساجد اللّه ، غير المشركين الذين كان إقصاؤهم بالصريح ، فتعيّن أن يكون المراد من الموصول وصلته خصوص المسلمين ، لأنّ مجموع الصفات المذكورة في الصلة لا يثبت لغيرهم ، فاليهود والنصارى آمنوا باللّه واليوم الآخر لكنّهم لم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة ، لأنّ المقصود بالصلاة والزكاة العبادتان المعهودتان بهذين الاسمين والمفروضتان في الإسلام ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
[ المدثر : 43 ، 44 ] كناية عن أن لم يكونوا مسلمين .
واستغني عن ذكر الإيمان برسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم بما يدلّ عليه من آثار شريعته : وهو الإيمان باليوم الآخر ، وإقام الصلاة : وإيتاء الزكاة .
وقصر خشيتهم على التعلّق بجانب اللّه تعالى بصيغة القصر ليس المراد منه أنّهم لا يخافون شيئا غير اللّه فإنّهم قد يخافون الأسد ويخافون العدوّ ، ولكن معناه إذا تردّد الحال بين خشيتهم اللّه وخشيتهم غيره قدّموا خشية اللّه على خشية غيره كقوله آنفا
أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ
[ التوبة : 13 ] ، فالقصر إضافي باعتبار تعارض خشيتين .
وهذا من خصائص المؤمنين : فأمّا المشركون فهم يخشون شركاءهم وينتهكون حرمات اللّه لإرضاء شركائهم ، وأمّا أهل الكتاب فيخشون الناس ويعصون اللّه بتحريف كلمه ومجاراة أهواء العامّة ، وقد ذكّرهم اللّه بقوله :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
[ المائدة :
44 ] .
وفرّع على وصف المسلمين بتلك الصفات رجاء أن يكونوا من المهتدين ، أي من الفريق الموصوف بالمهتدين وهو الفريق الذي الاهتداء خلق لهم في هذه الأعمال وفي غيرها . ووجه هذا الرجاء أنّهم لما أتوا بما هو اهتداء لا محالة قوي الأمل في أن يستقرّوا على ذلك ويصير خلقا لهم فيكونوا من أهله ، ولذلك قال :
أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
ولم