تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
عهدهم لا يقبل بعد أن نكثوا لقول اللّه تعالى :
إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ
، ولا أن يكون الانتهاء عن الطعن في الدين ، لأنّه إن كان طعنهم في ديننا حاصلا في مدّة قتالهم فلا جدوى لرجاء انتهائهم عنه ، وإن كان بعد أن تضع الحرب أوزارها فإنّه لا يستقيم إذ لا غاية لتنهية القتل بين المسلمين وبينهم ، فتعيّن أنّ المراد : لعلهم ينتهون عن الكفر . ويجوز أن تكون الجملة استئنافا ابتدائيا لا اتّصال لها بجملة
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ
الآية ، بل ناشئة عن قوله :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ
- إلى قوله -
أَئِمَّةَ الْكُفْرِ
[ التوبة : 5 - 12 ] . والمعنى : المرجو أنّهم ينتهون عن الشرك ويسلمون ، وقد تحقّق ذلك فإنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة ، وبعد حنين ، ولم يقع نكث بعد ذلك ، ودخل المشركون في الإسلام أفواجا في سنة الوفود . [ 13 ]

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 13 ]

أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) تحذير من التواني في قتالهم عدا ما استثني منهم بعد الأمر بقتلهم ، وأسرهم ، وحصارهم ، وسدّ مسالك النجدة في وجوههم ، بقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
- إلى قوله -
كُلَّ مَرْصَدٍ
[ التوبة : 5 ] . وبعد أن أثبتت لهم ثمانية خلال تغري بعدم الهوادة في قتالهم ، وهي قوله :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ
[ التوبة : 7 ] وقوله :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
[ التوبة : 8 ] وقوله
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ
[ التوبة : 8 ] وقوله :
وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
[ التوبة : 8 ] وقوله :
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
[ التوبة : 9 ] وقوله :
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
[ التوبة : 10 ] وقوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
[ التوبة : 10 ] وقوله :
إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ
[ التوبة : 12 ] . فكانت جملة
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ
تحذيرا من التراخي في مبادرتهم بالقتال . ولفظ
أَ لا
يحتمل أن يكون مجموع حرفين : هما همزة الاستفهام ، و ( لا ) النافية ، ويحتمل أن يكون حرفا واحدا للتحضيض ، مثل قوله تعالى :
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
[ النور : 22 ] . فعلى الاحتمال الأول يجوز أن يكون الاستفهام إنكاريا ، على انتفاء مقاتلة المشركين في المستقبل ، وهو ما ذهب إليه البيضاوي ، فيكون دفعا لأن يتوهّم