تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
. و
كَيْفَ
هذه مؤكدة ل
كَيْفَ
[ التوبة : 7 ] التي في الآية قبلها ، فهي معترضة بين الجملتين وجملة :
وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
إلخ يجوز أن تكون جملة حالية ، والواو للحال ويجوز أن يكون معطوفة على جملة
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ
[ التوبة : 7 ] إخبارا عن دخائلهم . وفي إعادة الاستفهام إشعار بأنّ جملة الحال لها مزيد تعلّق بتوجّه الإنكار على دوام العهد للمشركين ، حتّى كأنّها مستقلّة بالإنكار ، لا مجرّد قيد للأمر الذي توجّه إليه الإنكار ابتداء ، فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته ، ابتداء ، لأنّهم ليسوا أهلا لذلك ، وإلى إنكار دوامه بالخصوص في هذه الحالة . وهي حالة ما يبطنونه من نية الغدر إن ظهروا على المسلمين ، ممّا قامت عليه القرائن والأمارات ، كما فعلت هوازن عقب فتح مكة . فجملة :
وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
معطوفة على جملة
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ
[ التوبة : 7 ] . وضمير
يَظْهَرُوا
عائد إلى المشركين في قوله :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ
[ التوبة : 7 ] ومعنى
وَإِنْ يَظْهَرُوا
إن ينتصروا . وتقدّم بيان هذا الفعل آنفا عند قوله تعالى :
وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً
[ التوبة : 4 ] . والمعنى : لو انتصر المشركون ، بعد ضعفهم ، وبعد أن جرّبوا من العهد معكم أنّه كان سببا في قوتكم ، لنقضوا العهد . وضمير
عَلَيْكُمْ
خطاب للمؤمنين . ومعنى
لا يَرْقُبُوا
لا يوفوا ولا يراعوا ، يقال : رقب الشيء ، إذا نظر إليه نظر تعهّد ومراعاة ، ومنه سمّي الرقيب ، وسمّي المرقب مكان الحراسة ، وقد أطلق هنا على المراعاة والوفاء بالعهد ، لأنّ من أبطل العمل بشيء فكأنّه لم يره وصرف نظره عنه . والإلّ : الحلف والعهد ؛ ويطلق الإلّ على النسب والقرابة . وقد كانت بين المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات ، فيصحّ أن يراد هنا كلا معنييه . والذمّة ما يمتّ به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار ممّا يجب في المروءة أن يحفظ ويحمى ، يقال : في ذمّتي كذا ، أي ألتزم به وأحفظه .
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
.