تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وضيق الأرض : استعارة ، أي حتى كانت الأرض كالضّيقة عليهم ، أي عندهم . وذلك التشبيه كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم . فالمعنى أنهم تخيلوا الأرض في أعينهم كالضيقة كما قال الطرماح :
ملأت عليه الأرض حتى كأنها * من الضيق في عينيه كفّة حابل
وقوله :
بِما رَحُبَتْ
حال من
الْأَرْضُ
. والباء للملابسة ، أي الأرض الملابسة لسعتها المعروفة . و
بِما
مصدرية . و
رَحُبَتْ
اتسعت ، أي تخيلوا الأرض ضيقة وهي الأرض الموصوفة بسعتها المعروفة . وضيق أنفسهم : استعارة للغم والحزن لأن الغم يكون في النفس بمنزلة الضيق . ولذلك يقال للمحزون : ضاق صدره ، وللمسرور : شرح صدره . والظن مستعمل في اليقين والجزم ، وهو من معانيه الحقيقية . وقد تقدم عند قوله تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
في سورة البقرة [ 46 ] - وعند قوله تعالى : -
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
في سورة الأعراف [ 66 ] ، أي وأيقنوا أن أمر التوبة عليهم موكول إلى اللّه دون غيره بما يوحي به إلى رسوله ، أي التجئوا إلى اللّه دون غيره . وهذا كناية عن أنهم تابوا إلى اللّه وانتظروا عفوه . وقوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
عطف على ضاقت عليهم الأرض وما بعده ، أي حتى وقع ذلك كله ثم تاب عليهم بعده . و
ثُمَّ
هنا للمهلة والتراخي الزمني وليست للتراخي الرتبي ، لأن ما بعدها ليس أرفع درجة مما قبلها بقرينة السياق ، وهو مغن عن جواب ( إذا ) لأنه يفيد معناه ، فهو باعتبار العطف تنهية للغاية ، وباعتبار المعطوف دال على الجواب . واللام في
لِيَتُوبُوا
للتعليل ، أي تاب عليهم لأجل أن يكفوا عن المخالفة ويتنزهوا عن الذنب ، أي ليدوموا على التوبة ، فالفعل مستعمل في معنى الدوام على التلبس بالمصدر لا على إحداث المصدر . وليس المراد ليذنبوا فيتوبوا ، إذ لا يناسب مقام التنويه بتوبته عليهم . وجملة
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
تذييل مفيد للامتنان .