تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
. التفريع على جملة :
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
، فيتفرّع على ذلك حالتان : حالة التوبة ، وحالة التولي . والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة ، والمعنى : فإن آمنتم فالإيمان خير لكم من العهد الذي كنتم عليه ، لأنّ الإيمان فيه النجاة في الدنيا والآخرة ، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير . والمراد بالتولي : الإعراض عن الإيمان . وأريد بفعل
تَوَلَّيْتُمْ
معنى الاستمرار ، أي : إن دمتم على الشرك فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة اللّه ، أي اعلموا أنّكم قد وقعتم في مكنة اللّه ، وأوشكتم على العذاب . وجملة :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
معطوفة على جملة :
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
لما تتضمّنه تلك الجملة من معنى الأمر ، فكأنّه قيل : فآذنوا الناس ببراءة اللّه ورسوله من المشركين ، وبأنّ من تاب منهم فقد نجا ومن أعرض فقد أوشك على العذاب ، ثم قال : وبشر المعرضين المشركين بعذاب أليم . و ( البشارة ) أصلها الإخبار بما فيه مسرّة ، وقد استعيرت هنا للإنذار ، وهو الإخبار بما يسوء ، على طريقة التهكّم ، كما تقدّم في قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
في سورة آل عمران [ 21 ] . والعذاب الأليم : هو عذاب القتل ، والأسر ، والسبي ، وفيء الأموال ، كما قال تعالى :
وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
[ التوبة : 26 ] فإنّ تعذيبهم يوم حنين بعضه بالقتل ، وبعضه بالأسر والسبي وغنم الأموال ، أي : أنذر المشركين بأنّك مقاتلهم وغالبهم بعد انقضاء الأشهر الحرم ، كما يدلّ عليه قوله :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] الآية . [ 4 ]

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 4 ]

إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) استثناء من المشركين في قوله :
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 3 ] ، ومن
الَّذِينَ كَفَرُوا
في قوله :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ التوبة : 3 ] لأنّ شأن الاستثناء