تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
كامن فيهم من الكفر . وقد أنبأ اللّه بحالهم التي ظهرت عقب وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم وهم أهل الردة من العرب . وجملة :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
دعاء عليهم وتحقير ، ولذلك فصلت . والدعاء من اللّه على خلقه : تكوين وتقدير مشوب بإهانة لأنه لا يعجزه شيء فلا يحتاج إلى تمني ما يريده . وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى :
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
في سورة البقرة [ 89 ] . وقد كانت على الأعراب دائرة السوء إذ قاتلهم المسلمون في خلافة أبي بكر عام الردة وهزموهم فرجعوا خائبين . وإضافة
دائِرَةُ
إلى
السَّوْءِ
من الإضافة إلى الوصف اللازم كقولهم : عشاء الآخرة . إذ الدائرة لا تكون إلا في السوء . قال أبو علي الفارسي : لو لم تضف الدائرة إلى السوء عرف منها معنى السوء لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه . ونظيره إضافة السوء إلى ذئب في قول الفرزدق :
فكنت كذئب السّوء حين رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدم
إذ الذئب متمحض للسوء إذ لا خير فيه للناس . والسّوء - بفتح السين - المصدر ، وبضمها الاسم . وقد قرأ الجمهور بفتح السين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما بضم السين . والمعنى واحد . وجملة :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
تذييل ، أي سميع ما يتناجون به وما يدبرونه من الترصد ، عليم بما يبطنونه ويقصدون إخفاءه . [ 99 ]

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 99 ]

وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) هؤلاء هم المؤمنون من الأعراب وفّاهم اللّه حقهم من الثناء عليهم ، وهم أضداد الفريقين الآخرين المذكورين في قوله :
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
[ التوبة : 97 ] - وقوله -
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً
[ التوبة : 97 ] . قيل : هم بنو مقرّن من مزينة الذين نزل فيهم قوله تعالى :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
[ التوبة : 92 ] الآية كما تقدم . ومن هؤلاء عبد اللّه ذو البجادين المزني - هو ابن مغفل - . والإنفاق هنا هو الإنفاق هناك . وتقدم قريبا معنى
يَتَّخِذُ
.
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 189 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور