تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *
[ التوبة : 70 ] . [ 83 ]

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 83 ]

فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) الفاء للتفريع على ما آذن به قوله :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
[ التوبة : 81 ] إذ فرّع على الغضب عليهم وتهديدهم عقاب آخر لهم ، بإبعادهم عن مشاركة المسلمين في غزواتهم . وفعل رجع يكون قاصرا ومتعدّيا مرادفا لأرجع . وهو هنا متعدّ ، أي أرجعك اللّه . وجعل الإرجاع إلى طائفة من المنافقين المخلّفين على وجه الإيجاز لأنّ المقصود الإرجاع إلى الحديث معهم في مثل القصة المتحدّث عنها بقرينة قوله :
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ
ولمّا كان المقصود بيان معاملته مع طائفة ، اختصر الكلام ، فقيل :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
، وليس المراد الإرجاع الحقيقي كما جرت عليه عبارات أكثر المفسّرين وجعلوه الإرجاع من سفر تبوك مع أنّ السورة كلّها نزلت بعد غزوة تبوك بل المراد المجازي ، أي تكرّر الخوض معهم مرّة أخرى . والطائفة : الجماعة وتقدّمت في قوله تعالى :
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
في سورة آل عمران [ 154 ] . أو قوله :
فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
في سورة النساء [ 102 ] . والمراد بالطّائفة هنا جماعة من المخلّفين دل عليها قوله :
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ
أي إلى طائفة منهم يبتغون الخروج للغزو ، فيجوز أن تكون هذه الطائفة من المنافقين أرادوا الخروج للغزو طمعا في الغنيمة أو نحو ذلك . ويجوز أن يكون طائفة من المخلّفين تابوا وأسلموا فاستأذنوا للخروج للغزو . وعلى الوجهين يحتمل أنّ منعهم من الخروج للخوف من غدرهم إن كانوا منافقين أو لمجرّد التأديب لهم إن كانوا قد تابوا وآمنوا . وما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يقوله لهم صالح للوجهين . والجمع بين النفي ب
لَنْ
وبين كلمة
أَبَداً
تأكيد لمعنى لن لانتفاء خروجهم في المستقبل إلى الغزو مع المسلمين . وجملة :
إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
مستأنفة للتعداد عليهم والتوبيخ ، أي إنّكم تحبّون القعود وترضون به فقد زدتكم منه . وفعل :
رَضِيتُمْ
يدلّ على أنّ ما ارتكبوه من القعود عمل من شأنه أن يأباه الناس