تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وإنّما عطفت النجوى على السرّ مع أنّه أعمّ منها لينبئهم باطّلاعه على ما يتناجون به من الكيد والطعن . ثم عمّم ذلك بقوله :
وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
أي قوي علمه لجميع الغيوب . والغيوب : جمع غيب وهو ما خفي وغاب عن العيان . وتقدّم قوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
في سورة البقرة [ 3 ] . [ 79 ]

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 79 ]

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) استئناف ابتدائي ، نزلت بسبب حادث حدث في مدّة نزول السورة ، ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حثّ الناس على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وجاء عاصم بن عدي بأوسق كثيرة من تمر ، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ، فقال المنافقون : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلّا رياء وأحبّ أبو عقيل أن يذكّر بنفسه ليعطى من الصدقات فأنزل اللّه فيهم هذه الآية . فالذين يلمزون مبتدأ وخبره جملة
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
. واللمز : الطعن . وتقدّم في هذه السورة في قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ
[ التوبة : 58 ] . وقرأه يعقوب - بضمّ الميم - كما قرأ قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ
[ التوبة : 58 ] . و
الْمُطَّوِّعِينَ
أصله المتطوّعين ، أدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما . و
فِي
للظرفية المجازية بجعل سبب اللمز كالظرف للمسبّب . وعطف الذين لا يجدون إلّا جهدهم على المطوعين وهم منهم ، اهتماما بشأنهم والجهد - بضمّ الجيم - الطاقة . وأطلقت الطاقة على مسبّبها الناشئ عنها . وحذف مفعول
يَجِدُونَ
لظهوره من قوله :
الصَّدَقاتِ
أي لا يجدون ما يتصدّقون به إلّا جهدهم . والمراد لا يجدون سبيلا إلى إيجاد ما يتصدّقون به إلّا طاقتهم ، أي جهد أبدانهم . أو يكون وجد هنا هو الذي بمعنى كان ذا جدة ، أي غنى فلا يقدر له مفعول ، أي الذين
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور