تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الجواب هو أن العدوّ يفرح بمصاب عدوّه لأنّه ينكد عدوّه ويحزنه ، فإذا علموا أنّ النبي لا يحزن لما أصابه زال فرحهم . وفيه تعليم للمسلمين التخلق بهذا الخلق : وهو أن لا يحزنوا لما يصيبهم لئلا يهنوا وتذهب قوتهم ، كما قال تعالى :
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ
[ آل عمران : 139 ، 140 ] . وأن يرضوا بما قدر اللّه لهم ويرجوا رضى ربّهم لأنّهم واثقون بأنّ اللّه يريد نصر دينه . وجملة
هُوَ مَوْلانا
في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو معترضة أي لا يصيبنا إلا ما قدره اللّه لنا ، ولنا الرجاء بأنّه لا يكتب لنا إلا ما فيه خيرنا العاجل أو الآجل ، لأن المولى لا يرضى لمولاه الخزي . وجملة
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
يجوز أن تكون معطوفة على جملة
قُلْ
فهي من كلام اللّه تعالى خبرا في معنى الأمر ، أي قل ذلك ولا تتوكّلوا إلا على اللّه دون نصرة هؤلاء ، أي اعتمدوا على فضله عليكم . ويجوز أن تكون معطوفة على جملة
لَنْ يُصِيبَنا
أي قل ذلك لهم ، وقل لهم إن المؤمنين لا يتوكّلون إلا على اللّه ، أي يؤمنون بأنّه مؤيّدهم ، وليس تأييدهم بإعانتكم ، وتفصيل هذا الإجمال في الجملة التي بعدها . والفاء الداخلة على
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
فاء تدلّ على محذوف مفرّع عليه اقتضاه تقديم المعمول ، أي على اللّه فليتوكّل المؤمنون . [ 52 ]

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 52 ]

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ( 52 ) تتنزّل هذه الجملة منزلة البيان لما تضمّنته جملة
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[ التوبة : 51 ] الآية ، ولذلك لم تعطف عليها ، والمبيّن هو إجمال
ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا
[ التوبة : 51 ] كما تقدّم . والمعنى لا تنتظرون من حالنا إلّا حسنة عاجلة أو حسنة آجلة فأمّا نحن فننتظر من حالكم أن يعذبكم اللّه في الآخرة بعذاب النار ، أو في الدنيا بعذاب على غير أيدينا من عذاب اللّه في الدنيا : كالجوع والخوف ، أو بعذاب بأيدينا ، وهو عذاب القتل ، إذا أذن اللّه بحربكم ، كما في قوله :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ