تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
أن كان صاحبها حقيقا بولاية أمر المسلمين لأن ولاية أمر المسلمين ، أمانة لهم ونصح ، ولذلك قال عمر بن الخطاب حين أوصى بأن يكون الأمر شورى بين ستة « ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لعهدت إليه لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له إنه أمين هذه الأمة » . وقوله :
وَتَخُونُوا
عطف على قوله :
لا تَخُونُوا
فهو في حيز النهي ، والتقدير : ولا تخونوا أماناتكم ، وإنما أعيد فعل
تَخُونُوا
ولم يكتف بحرف العطف ، الصالح للنيابة عن العامل في المعطوف ، للتنبيه على نوع آخر من الخيانة فإن خيانتهم اللّه ورسوله نقض الوفاء لهما بالطاعة والامتثال ، وخيانة الأمانة نقض الوفاء بأداء ما ائتمنوا عليه . وجملة
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
في موضع الحال من ضمير
تَخُونُوا
الأول والثاني ، وهي حال كاشفة والمقصود منها تشديد النهي ، أو تشنيع المنهي عنه لأن النهي عن القبيح في حال معرفة المنهي أنه قبيح يكون أشد ، ولأن القبيح في حال علم فاعله بقبحه يكون أشنع ، فالحال هنا بمنزلة الصفة الكاشفة في قوله تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
[ المؤمنون : 117 ] - وقوله -
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 22 ] وليس المراد تقييد النهي عن الخيانة بحالة العلم بها ، لأن ذلك قليل الجدوى ، فإن كل تكليف مشروط بالعلم وكون الخيانة قبيحة أمر معلوم . ولك أن تجعل فعل
تَعْلَمُونَ
منزلا منزلة اللازم ، فلا يقدّر له مفعول ، فيكون معناه « وأنتم ذوو علم » أي معرفة حقائق الأشياء ، أي وأنتم علماء لا تجهلون الفرق بين المحاسن والقبائح ، فيكون كقوله :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
في سورة البقرة [ 22 ] . ولك أن تقدر له هنا مفعولا دل عليه قوله :
وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
أي وأنتم تعلمون خيانة الأمانة أي تعلمون قبحها فإن المسلمين قد تقرر عندهم في آداب دينهم تقبيح الخيانة ، بل هو أمر معلوم للناس حتى في الجاهلية . وابتداء جملة :
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
بفعل
اعْلَمُوا
للاهتمام كما تقدم آنفا عند قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
[ الأنفال : 24 ] - وقوله -
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ الأنفال : 25 ] وهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي يحمل عليها المرء حب المال وهي خيانة الغلول وغيرها ، فتقديم الأموال لأنها مظنة الحمل على الخيانة في هذا المقام .