إلى المدينة فتلك فئتهم .
وإنما حرم اللّه الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء ؛ لأن الفرار حينئذ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل ، وذلك أن اللّه أوجب على المسلمين قتال المشركين فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم إلا بصبرهم وتأييد اللّه إياهم ، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح في ظهورهم فاستأصلوهم ، فلذلك أمرهم اللّه ورسوله بالصبر والثبات ، فيكون ما في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء ، وبهذا يكون التقييد بحال الزحف للاحتراز عن اللقاء في غير تلك الحالة . وأما آية
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
[ الأنفال : 65 ] فقد بينت حكم العدد الذين عليهم طلب جهاد المشركين بنسبة عددهم إلى عدد المشركين ، ولعل هذا مراد ابن العربي من قوله : لأنه ظاهر الكتاب والحديث فيما نقله ابن الفرس .
[ 17 ]
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 )
الأظهر أن الفاء فصيحة ناشئة عن جملة :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
[ الأنفال : 12 ] تفصح عن مقدر قبلها شرط أو غيره - والأكثر أن يكون شرطا فتكون رابطة لجوابه ، والتقدير هنا إذا علمتم أن اللّه أوحى إلى الملائكة بضرب أعناق المشركين وقطع أيديهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن اللّه قتلهم أي فقد تبين أنكم لم تقتلوهم أنتم ، وإلى هذا يشير كلام صاحب « الكشاف » هنا وتبعه صاحب « المفتاح » في آخر باب النهي .
ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على جملة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
[ الأنفال : 15 ] أي يتفرع على النهي عن أن تولوا المشركين الأدبار تنبيهكم إلى أن اللّه هو الذي دفع المشركين عنكم وأنتم أقل منهم عددا وعدة ، والتفريع بالفاء تفريع العلة على المعلول ، فإن كون قتل المشركين ورميهم حاصلا من اللّه لأمن المسلمين يفيد تعليلا وتوجيها لنهيهم عن أن يولوهم الأدبار . ولأمرهم الصبر والثبات وهو تعريض بضمان تأييد اللّه إياهم إن امتثلوا لقوله :
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ الأنفال 46 ] فإنهم إذا امتثلوا ما أمرهم اللّه كان اللّه ناصرهم ، وذلك يؤكد الوعيد على تولية الأدبار ، لأنه يقطع عذر المتولين والفارين ، ولذلك قال اللّه تعالى في وقعة أحد :
إِنَّ