تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
[ 14 ]

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 14 ]

ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) الخطاب في
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ
للمشركين الذين قتلوا ، والذين قطعت بنانهم أي يقال لهم هذا الكلام حيث تضرب أعناقهم وبنانهم بأن يلقى في نفوسهم حينما يصابون إن أصابتهم كانت لمشاقتهم اللّه ورسوله ، فإنهم كانوا يسمعون توعد اللّه إياهم بالعذاب والبطش كقوله :
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
[ الدخان : 16 ] وقوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ الأنفال : 34 ] ونحو ذلك وكانوا لا يخلون من اختلاج الشك نفوسهم ، فإذا رأوا القتل الذي لم يألفوه ، ورأى الواحد منهم نفسه مضروبا بالسيف ، ضربا لا يستطيع له دفاعا ، علم أن وعيد اللّه تحقق فيه ، فجاش في نفسه أن ذلك لمشاقته اللّه ورسوله ، ولعلهم كانوا يرون إصابات تصيبهم من غير مرئي ، فجملة :
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ
مقول قول محذوف تقديره : قائلين ، هو حال من ضمير
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
[ الأنفال : 12 ] . واسم الإشارة راجع إلى الضرب المأخوذ من قوله :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
[ الأنفال : 12 ] وهو مبتدأ وخبره محذوف ، فإما أن يقدر ذلك هو العقاب الموعود ، وإما أن يكون مما دل عليه قوله :
بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ الأنفال : 13 ] فالتقدير ذلك بأنكم شاققتم اللّه ورسوله . وتفريع
فَذُوقُوهُ
على جملة :
ذلِكُمْ
بما قدر فيها تفريع للشّماتة على تحقيق الوعيد ، فصيغة الأمر مستعملة في الشماتة والإهانة ، وموقع
فَذُوقُوهُ
اعتراض بين الجملة والمعطوف في قوله :
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ
، والاعتراض يكون بالفاء كما في قول النابغة :
ضباب بني الطّوالة فاعلميه * ولا يغررك نأيي واغترابي
قالوا وفي قوله :
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
للعطف على المقول فهو من جملة القول ، والتعريف في الكافرين للاستغراق وهو تذييل . والمعنى : ذلكم ، أي ضرب الأعناق ، عقاب الدنيا ، وأن لكم عذاب النار في الآخرة مع جميع الكافرين ، والذوق مجاز في الإحساس والعلاقة الإطلاق . وقوله :
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
عطف على الخبر المحذوف أي ذلكم العذاب وأن عذاب النار لجميع الكافرين .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 42 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور