وليس تأكيدا لرفع المجاز عن القصر حتى يصير بالتأكيد قصرا حقيقيا ، بل التأكيد بمعنى المبالغة اعتمادا على القرائن ، والأحسن أن يكون منصوبا على الحال من ضمير
هُمْ
فيكون المصدر مؤولا باسم الفاعل كما هو الشأن في وقوع المصدر حالا مثل
أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
[ يوسف : 107 ] ، أي محققين إيمانهم بجلائل أعمالهم ، وقد تقدم مثل هذا المصدر في قوله :
خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
في سورة النساء [ 122 ] .
وجملة :
لَهُمْ دَرَجاتٌ
خبر ثان عن اسم الإشارة .
واللام للاستحقاق ، أي درجات مستحقة لهم ، وذلك استعارة للشرف والكرامة عند اللّه ، لأن الدرجات حقيقتها ما يتخذ من بناء أو أعواد لإمكان تخطي الصاعد إلى مكان مرتفع منقطع عن الأرض ، كما تقدم عند قوله تعالى :
وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
في سورة البقرة [ 228 ] ، وفي غير موضع ، وتستعار الدرجة لعناية العظيم ببعض من يصطفيهم فتشبه العناية بالدرجة تشبيه معقول بمحسوس ، لأن الدنو من العلو عرفا يكون بالصعود إليه في الدرجات ، فشبه ذلك الدنو بدرجات وقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
قرينة المجاز .
ويجوز أن تستعار الدرجة هنا لمكان جلوس المرتفع كدرجة المنبر كما في قوله تعالى :
وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
[ البقرة : 228 ] والقرينة هي .
وقد دل قوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
على الكرامة والشرف عند اللّه تعالى في الدنيا بتوجيه عنايته في الدنيا ، وفي الآخرة بالنعيم العظيم .
وتنوين
دَرَجاتٌ
للتعظيم لأنها مراتب متفاوتة .
والرزق اسم لما يرزق أي يعطى للانتفاع به ، ووصفه بكريم بمعنى النفيس فهو وصف حقيقي للرزق ، وفعله كرم بضم العين ، والكرم في كل شيء الصفات المحمودية في صنفه أو نوعه كما في قوله تعالى :
إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
في سورة النمل [ 29 ] ، ومنه إطلاق الكرم على السخاء والجود ، والوصف منه كريم ، وتصح إرادته هنا على أن وصف الرزق به مجاز عقلي ، أي كريم رازقه ، فإن الكريم يرزق بوفرة وبغير حساب .
[ 5 ، 6 ]
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 5 إلى 6 ]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 )
تشبيه حال بحال ، وهو متصل بما قبله : إما بتقدير مبتدأ محذوف ، هو اسم إشارة