خَوَّاناً أَثِيماً
في سورة النساء [ 107 ] . وذكر القرطبي عن النّحاس أنّه قال : « هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه » .
قلت : وموقع ( إنّ ) فيه موقع التعليل للأمر برد عهدهم ونبذه إليهم فهي مغنية غناء فاء التفريع كما قال عبد القاهر ، وتقدّم في غير موضع وهذا من نكت الإعجاز .
[ 59 ]
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 59 ]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 )
تسلية النبي صلى اللّه عليه وسلم على ما بدأه به أعداؤه من الخيانة مثل ما فعلت قريظة ، وما فعل عبد اللّه بن أبي سلول وغيرهم من فلول المشركين الذين نجوا يوم بدر ، وطمأنة له وللمسلمين بأنّهم سيدالون منهم ، ويأتون على بقيتهم ، وتهديد للعدوّ بأنّ اللّه سيمكّن منهم المسلمين .
والسبق مستعار للنجاة ممّن يطلب ، والتلفّت من سلطته . شبه المتخلّص من طالبه بالسابق كقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا
[ العنكبوت : 4 ] وقال بعض بني فقعس :
كأنك لم تسبق من الدهر مرة * إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
أي كأنّك لم يفتك ما فاتك إذا أدركته بعد ذلك ، ولذلك قوبل السبق هنا بقوله تعالى :
إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
، أي هم وإن ظهرت نجاتهم الآن ، فما هي إلّا نجاة في وقت قليل ، فهم لا يعجزون اللّه ، أو لا يعجزون المسلمين ، أي لا يصيّرون من أفلتوا منه عاجزا عن نوالهم ، كقول إياس بن قبيصة الطائي :
ألم تر أنّ الأرض رحب فسيحة * فهل تعجزنّي بقعة من بقاعها
وحذف مفعول
يُعْجِزُونَ
لظهور المقصود .
وقرأ الجمهور ولا تحسبن - بالتاء الفوقية - . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وحفص ، وأبو جعفر
وَلا يَحْسَبَنَّ
- بالياء التحتية - وهي قراءة مشكلة لعدم وجود المفعول الأول لحسب ، فزعم أبو حاتم هذه القراءة لحنا ، وهذا اجتراء منه على أولئك الأئمة وصحة روايتهم ، واحتجّ لها أبو علي الفارسي بإضمار مفعول أول يدلّ عليه قوله :
إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا ، واحتج لها الزجاج بتقدير ( أنّ ) قبل
سَبَقُوا
فيكون المصدر سادّا مسدّ المفعولين ، وقيل : حذف الفاعل لدلالة الفعل عليه .