هلاكهم ما داموا مناوئين للّه ورسوله ، انتقل إلى وصف ما لقيه من العذاب من قتل منهم يوم بدر ، ممّا هو مغيب عن الناس ، ليعلم المؤمنون ويرتدع الكافرون ، والمراد بالذين كفروا هنا الذين قتلوا يوم بدر ، وتكون هذه الآية من تمام الخبر عن قوم بدر .
ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا جميع الكافرين حملا للموصول على معنى العموم فتكون الآية اعتراضا مستطردا في خلال القصّة بمناسبة وصف ما لقيه المشركون في ذلك اليوم ، الذي عجّل لهم فيه عذاب الموت .
وابتدئ الخبر ب
وَلَوْ تَرى
مخاطبا به غير معين ، ليعمّ كلّ مخاطب ، أي : لو ترى أيّها السامع ، إذ ليس المقصود بهذا الخبر خصوص النبي صلى اللّه عليه وسلم حتّى يحمل الخطاب على ظاهره ، بل غير النبي أولى به منه ، لأن اللّه قادر أن يطلع نبيه على ذلك كما أراه الجنّة في عرض الحائط .
ثمّ إن كان المراد بالذين كفروا مشركي يوم بدر ، وكان ذلك قد مضى يكن مقتضى الظاهر أن يقال : ولو رأيت إذ توفّى الذين كفروا الملائكة . فالإتيان بالمضارع في الموضعين مكان الماضي ؛ لقصد استحضار تلك الحالة العجيبة ، وهي حالة ضرب الوجوه والأدبار ، ليخيّل للسامع أنّه يشاهد تلك الحالة ، وإن كان المراد المشركين حيثما كانوا كان التعبير بالمضارع على مقتضى الظاهر .
وجواب
لَوْ
محذوف تقديره : لرأيت أمرا عجيبا . وقرأ الجمهور : يتوفّى - بياء الغائب - وقرأه ابن عامر : تتوفّى - بتاء التأنيث - رعيا لصورة جمع الملائكة .
والتوفّي : الإماتة سمّيت توفّيا ؛ لأنها تنهي حياة المرء أو تستوفيها
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
[ السجدة : 11 ] .
وجملة :
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
في موضع الحال إن كان المراد من التوفّي قبض أرواح المشركين يوم بدر حين يقتلهم المسلمون ، أي : يزيدهم الملائكة تعذيبا عند نزع أرواحهم ، وهي بدل اشتمال من جملة :
يَتَوَفَّى
إن كان المراد بالتوفّي توفيا يتوفّاه الملائكة الكافرين .
وجملة :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
معطوفة على جملة :
يَضْرِبُونَ
بتقدير القول ، لأنّ هذه الجملة لا موقع لها مع التي قبلها ، إلّا أن تكون من قول الملائكة ، أي :
ويقولون : ذوقوا عذاب الحريق كقوله :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ