بصاحب القصة بقرينة قوله :
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ
إلخ ، ويحصل من ذلك أيضا تعليم مثل قوله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ
[ يونس : 71 ]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ
[ الشعراء : 69 ]
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ
[ القصص : 3 ] ونظائر ذلك ، فضمير
عَلَيْهِمْ
راجع إلى المشركين الذين وجهت إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة ، وقصت عليهم قصص الأمم مع رسلهم ، على أن توجيه ضمائر الغيبة إليهم أسلوب متبع في مواقع كثيرة من القرآن ، كما قدّمناه غير مرة ، فهذا من قبيل رد العجز على الصدر .
ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قوما تغلب عليهم الأمية فأراد اللّه أن يبلّغ إليهم من التعليم ما يساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة ، فالضمير المجرور ب ( على ) عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون ، وكثيرا ما يجيء ضمير جمع الغائب في القرآن مرادا به المشركون كقوله :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ
[ النبأ : 1 ] .
والنبأ الخبر المروي .
وظاهر اسم الموصول المفرد أن صاحب الصلة واحد معيّن ، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها ، والأقرب أن يكون صاحب هذا النبأ ممّن للعرب إلمام بمجمل خبره .
فقيل المعنى به أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وروي هذا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ، بأسانيد كثيرة عند الطبري ، وعن زيد بن أسلم ، وقال القرطبي في « التفسير » هو الأشهر ، وهو قول الأكثر ذلك أن أمية بن أبي الصلت الثقفي كان ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالبا دين الحق ، ونظر في التوراة والإنجيل فلم ير النجاة في اليهودية ولا النصرانية ، وتزهّد وتوخّى الحنيفية دين إبراهيم ، وأخبر أن اللّه يبعث نبيّا في العرب ، فطمع أن يكونه ، ورفض عبادة الأصنام ، وحرم الخمر ، وذكر في شعره أخبارا من قصص التوراة ، ويروى أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول :
كل دين يوم القيامة عند * اللّه إلا دين الحنيفية زور
وله شعر كثير في أمور إلاهية ، فلما بعث محمد صلى اللّه عليه وسلّم أسف أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب ، وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل البعثة وأقام هنالك ثمان سنين ثم رجع إلى مكة فوجد البعثة ، وتردد في الإسلام ، ثم خرج إلى الشام ورجع بعد وقعة بدر فلم يؤمن بالنبيء صلى اللّه عليه وسلّم حسدا ، ورثى من قتل من المشركين يوم بدر ، وخرج إلى الطائف