تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وقوله :
مِنْ ظُهُورِهِمْ
بدل
مِنْ بَنِي آدَمَ
أبدل بعض من كل ، وقد أعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كما تقدم في قوله تعالى :
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ
في سورة الأنعام [ 99 ] . والإشهاد على الأنفس يطلق على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه ، وهو هنا الحمل على الإقرار ، واستعير لحالة مغيبة تتضمن هذا الإقرار يعلمها اللّه لاستقرار معنى هذا الاعتراف في فطرتهم . والضمير في
أَشْهَدَهُمْ
عائد على الذرية باعتبار معناه ، لأنه اسم يدل على جمع . والقول في
قالُوا بَلى
مستعار أيضا لدلالة حالهم على الاعتراف بالربوبية للّه تعالى . وجملة
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
مقول لقول محذوف هو بيان لجملة
أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
أي قررهم بهذا القول وهو من أمر التكوين . والمعنى واحد ، لأن الذرية لما أضيف إلى ضمير بني آدم كان على معنى التوزيع . والاستفهام في
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
تقريري ، ومثله يقال في تقرير من يظن به الإنكار أو ينزل منزلة ذلك ، فلذلك يقرر على النفي استدراجا له حتى إذا كان عاقدا قلبه على النفي ظن أن المقرّر يطلبه منه ، فأقدم على الجواب بالنفي ، فأما إذا لم يكن عاقدا قلبه عليه فإنه يجيب بإبطال النفي ، فيتحقق أنه بريء من نفي ذلك ، وعليه قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
[ الأحقاف : 34 ] تنزيلا لهم منزلة من يظنه ليس بحق ، لأنهم كانوا ينكرونه في الدنيا ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
في سورة الأنعام [ 130 ] . والكلام تمثيل حال من أحوال الغيب ، من تسلط أمر التكوين الإلهي على ذوات الكائنات وأعراضها عند إرادة تكوينها ، لا تبلغ النفوس إلى تصورها بالكنه ، لأنها وراء المعتاد المألوف ، فيراد تقريبها بهذا التمثيل ، وحاصل المعنى : أن اللّه خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية ، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك ، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها . وجملة :
قالُوا بَلى
جواب عن الاستفهام التقريري ، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة كما تقدم في قوله تعالى :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
في سورة
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 346 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور