تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
و ( العتو ) تقدم عند قوله تعالى :
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
في هذه السورة [ 77 ] . وقوله :
قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
في سورة البقرة [ 65 ] ، ولأجل التشابه بين الآيتين ، وذكر العدو في السبت فيهما ، وذكره هنا في الإخبار عن القرية ، جزم المفسرون بأن الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه هم أهل هذه القرية ، وبأن الأمة القائلة
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً
هي أمة من هذه القرية فجزموا بأن القصة واحدة ، وهذا وإن كان لا ينبو عنه المقام ، كما أنه لا يمنع تشابه فريقين في العذاب ، فقد بينت أن ذلك لا ينافي جعل القصة في معنى قصتين من جهة الاعتبار . [ 167 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 167 ]

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 167 ) عطف على جملة :
وَسْئَلْهُمْ
[ الأعراف : 163 ] بتقدير اذكر ، وضمير
عَلَيْهِمْ
عائد إلى اليهود المتقدم ذكرهم بالضمير الراجع إليهم بدلالة المقام في قوله تعالى :
وَسْئَلْهُمْ
[ الأعراف : 163 ] كما تقدم بيان ذلك كله مستوفى عند قوله :
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
[ الأعراف : 163 ] فالمتحدث عنهم بهذه الآية لا علاقة لهم بأهل القرية الذين عدوا في السبت . و
تَأَذَّنَ
على اختلاف إطلاقاته ، ومما فيه هنا مشتق من الإذن وهو العلم ، يقال : أذن أي علم ، وأصله العلم بالخبر ، لأن مادة هذا الفعل وتصاريفه جائية من الأذن ، اسم الجارحة التي هي آلة السمع ، فهذه التصاريف مشتقة من الجامد نحو استحجر الطين أي صار حجرا ، واستنسر البغاث أي صار نسرا ، فتأذن : بزنة تفعل الدالة على مطاوعة فعل ، والمطاوعة مستعملة في معنى قوة حصول الفعل ، فقيل : هو هنا بمعنى أفعل كما يقال : توعد بمعنى أوعد فمعنى
تَأَذَّنَ رَبُّكَ
أعلم وأخبر ليبعثن ، فيكون فعل أعلم معلقا عن العمل بلام القسم ، وإلى هذا مال الطبري ، قال ابن عطية : وهذا قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم ، ويتبين ذلك من التعدي وغيره ، وعن مجاهد :
تَأَذَّنَ
تألّى قال في « الكشاف » معناه عزم ربّك ، لأن العازم على الأمر يحدث نفسه به » أراد أن إشرابه معنى القسم ناشئ عن مجاز فأطلق التأذن على العزم ، لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه ، فهو يؤذنها بفعله فتعزم نفسه ، ثم أجرى مجرى فعل القسم مثل علم