تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال ، ومرجها ، وتشتت البال ، وقد مضى تفسيرها عند قوله تعالى :
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
في سورة البقرة [ 102 ] . وقوله :
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ
في سورة العقود [ 71 ] وقوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
في سورة الأنعام [ 23 ] . والقصد من جملة :
أَنْتَ وَلِيُّنا
الاعتراف بالانقطاع لعبادة اللّه تعالى ، تمهيدا لمطلب المغفرة والرحمة ، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره . والولي : الذي له ولاية على أحد ، والولاية حلف أو عتق يقتضي النصرة والإعانة ، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مولى ، وإن كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي ( ولي ) وللضعيف ( مولى ) وإذ قد كانت الولاية غير قابلة للتعدد ، لأن المرء لا يتولى غير مواليه ، كان قوله :
أَنْتَ وَلِيُّنا
مقتضيا عدم الانتصار بغير اللّه . وفي صريحه صيغة قصر . والتفريع عن الولاية في قوله :
فَاغْفِرْ لَنا
تفريع كلام على كلام وليس المراد أن الولي يتعين عليه الغفران . وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة ، فإن المغفرة تنهية لغضب اللّه المترتب على الذنب ، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا . والرضا يقتضي الإحسان . و
خَيْرُ الْغافِرِينَ
الذي يغفر كثيرا ، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ
في سورة آل عمران [ 150 ] . وإنما عطف جملة :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
لأنه خبر في معنى طلب المغفرة العظيمة ، فعطف على الدعاء ، كأنه قيل : فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ذنوبنا ، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة . و
اكْتُبْ
مستعار لمعنى العطاء المحقق حصوله ، المجدد مرة بعد مرة ، لأن الذي يريد تحقيق عقد أو عدة ، أو عطاء ، وتعلّقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة ، فلا يقبل النكران ، ولا النقصان ، ولا الرجوع ، وتسمى تلك الكتابة عهدا ، ومنه ما كتبوه في صحيفة القطيعة ، وما كتبوه من حلف ذي المجاز ، قال الحارث بن حلزة : حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء