تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ
إلى قوله :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 12 - 17 ] . ولئلا يظن أن الإشراك لخطورته لا تنجي منه التوبة . وإما أن يراد بالإيمان إيمان خاص ، وهو الإيمان بإخلاص ، فيشمل عمل الواجبات . والخطاب في قوله :
إِنَّ رَبَّكَ
لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم على الوجه الأظهر ، أو لموسى على جعل قوله :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
مقولا من اللّه لموسى . وفي تعريف المسند إليه بالإضافة توسل إلى تشريف المضاف إليه بأنه مربوب للّه تعالى ، وفي ذكر وصف الربوبية هنا تمهيد لوصف الرحمة . وتأكيد الخبر بأن ولام التوكيد وصيغتي المبالغة في
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
لمزيد الاهتمام به ترغيب للعصاة في التوبة ، وطردا للقنوط من نفوسهم ، وإن عظمت ذنوبهم ، فلا يحسبوا تحديد التوبة بحد إذا تجاوزته الذنوب بالكثرة أو العظم لم تقبل منه توبة . وضمير :
مِنْ بَعْدِها
الثاني مبالغة في الامتنان بقبول توبتهم بعد التملّي من السيئات . وحذف متعلق
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
لظهوره من السياق ، والتقدير : لغفور رحيم لهم . أو لكل من عمل سيّئة وتاب منها . [ 154 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 154 ]

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) نظم هذا الكلام مثل نظم قوله :
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
[ الأعراف : 149 ] وقوله :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ
[ الأعراف : 150 ] ، أي : ثم سكت عن موسى الغضب ولمّا سكت عنه أخذ الألواح . وهذه الجملة عطف على جملة
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ
[ الأعراف : 150 ] . والسكوت مستعار لذهاب الغضب عنه ، شبّه ثوران الغضب في نفس موسى المنشئ خواطر العقوبة لأخيه ولقومه ، وإلقاء الألواح حتى انكسرت ، بكلام شخص يغريه بذلك ، وحسّن هذا التشبيه أن الغضبان يجيش في نفسه حديث للنفس يدفعه إلى أفعال يطفئ بها ثوران غضبه ، فإذا سكن غضبه وهدأت نفسه كان ذلك بمنزلة سكوت المغري ، فلذلك أطلق عليه السكوت ، وهذا يستلزم تشبيه الغضب بالناطق المغري على طريقة المكنية ،