تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
بمناسبة قوله :
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ
[ الأعراف : 145 ] تعريضا بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين ، وتصريحا بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان ، فتكون الجملة مستأنفة استينافا ابتدائيا ، وتأتي في معنى الصرف عن الآيات الوجوه السابقة واقتران فعل
سَأَصْرِفُ
بسين الاستقبال القريب تنبهه على أن اللّه يعجل ذلك الصرف . وتقديم المجرور على مفعول
سَأَصْرِفُ
للاهتمام بالآيات ، ولأن ذكره عقب الفعل المتعلق هو به أحسن . وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة الصرف . وهي ما تضمنته الصلات المذكورة ، لأن من صارت تلك الصفات حالات له ينصره اللّه ، أو لأنه إذا صار ذلك حاله رين على قلبه ، فصرف قلبه عن إدراك دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف . والأوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتمّ الانطباق . والتكبر الاتصاف بالكبر . وقد صيغ له الصيغة الدالة على التكلف ، وقد بينا ذلك عند قوله تعالى :
أَبى وَاسْتَكْبَرَ
[ البقرة : 34 ] وقوله :
اسْتَكْبَرْتُمْ
في سورة البقرة [ 87 ] ، والمعنى : أنهم يعجبون بأنفسهم ، ويعدون أنفسهم عظماء فلا يأتمرون لآمر ، ولا ينتصحون لناصح . وزيادة قوله :
فِي الْأَرْضِ
لتفضيح تكبرهم ، والتشهير بهم بأن كبرهم مظروف في الأرض ، أي ليس هو خفيا مقتصرا على أنفسهم ، بل هو مبثوث في الأرض ، أي مبثوث أثره ، فهو تكبر شائع في بقاع الأرض كقوله :
يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ *
[ يونس : 23 ] وقوله :
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ البقرة : 27 ] وقوله :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً *
[ الإسراء : 37 ] وقول مرة بن عدّاء الفقعسي :
فهلّا أعدوني لمثلي تفاقدوا * وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب
وقوله :
بِغَيْرِ الْحَقِّ
زيادة لتشنيع التكبر بذكر ما هو صفة لازمة له ، وهو مغايرة الحق ، أي : باطل وهي حال لازمة للتكبر ، كاشفة لوصفه ، إذ التكبر لا يكون بحق في جانب الخلق ، وإنما هو وصف للّه بحق ؛ لأنه العظيم على كل موجود ، وليس تكبر اللّه بمقصود أن يحترز عنه هنا حتى يجعل القيد
بِغَيْرِ الْحَقِّ
للاحتراز عنه ، كما في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 287 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور