تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
فيقال : فرس قوي ، وجمل قوي على الحقيقة ، ويقال : عود قوي ، إذا كان عسير الانكسار ، وأسّس قوي ، إذا كان لا ينخسف بما يبنى عليه من جدار ثقيل ، إطلاقا قريبا من الحقيقة ، وهاته الحالة مقول عليها بالتشكيك لأنها في بعض موصوفاتها أشدّ منها في بعض آخر ، ويظهر تفاوتها في تفاوت ما يستطيع موصوفها أن يعمله من عمل ممّا هي حالة فيه ، ولما كان من لوازم القوة أن قدره صاحبها على عمل ما يريده أشد مما هو المعتاد ، والأعمال عليه أيسر ، شاع إطلاقها على الوسائل التي يستعين بها المرء على تذليل المصاعب مثل السلاح والعتاد ، والمال ، والجاه ، وهو إطلاق كنائي قال تعالى :
قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
في سورة النمل [ 33 ] . ولكونها يلزمها الاقتدار على الفعل وصف اللّه تعالى باسم القوي أي الكامل القدرة قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ
في سورة الأنفال [ 52 ] . والقوة هنا في قوله :
فَخُذْها بِقُوَّةٍ
تمثيل لحالة العزم على العمل بما في الألواح ، بمنتهى الجد والحرص دون تأخير ولا تساهل ولا انقطاع عند المشقة ولا ملل ، بحالة القوي الذي لا يستعصي عليه عمل يريده . ومنه قوله تعالى :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
في سورة مريم [ 12 ] . وهذا الأخذ هو حظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها ، فاللّه المشرّع ، والرسول المنفذ ، وأصحابه وولاة الأمور هم أعوان على التنفيذ ، وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند مغيبه ، وهو وهم فيما سوى ذلك كسائر الأمة . فقوله :
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
تعريج على ما هو حظ عموم الأمة من الشريعة وهو التمسك بها ، فهذا الأخذ مجاز في التمسك والعمل ولذلك عدي بالباء الدالة على اللصوق ، يقال : أخذ بكذا إذا تمسك به وقبض عليه ، كقوله :
وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ
[ الأعراف : 150 ] وقوله :
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
[ طه : 94 ] . ولم يعد فعل الأخذ بالباء في قوله :
فَخُذْها
لأنه مستعمل في معنى التلقي والحفظ لأنه أهم من الأخذ بمعنى التمسك والعمل ، فإن الأول حظ ولي الأمر والثاني حظ جميع الأمة . وجزم
يَأْخُذُوا
جوابا لقوله :
وَأْمُرْ
تحقيقا لحصول امتثالهم عندما يأمرهم . و
بِأَحْسَنِها
وصف مسلوب المفاضلة مقصود به المبالغة في الحسن ، فإضافتها إلى