تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
الرؤية الموعود بها في الآخرة ، فكان موسى يحسب أن مثلها ممكن في الدنيا حتى أعلمه اللّه بأن ذلك غير واقع في الدنيا ، ولا يمتنع على نبي عدم العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يعلمها اللّه إياه ، وقد قال اللّه لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلّم
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ، ولذلك كان أئمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية اللّه على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم : « بلا كيف » . وكان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة . وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ ، فإن الفريقين متفقان على استحالة إحاطة الإدراك بذات اللّه واستحالة التحيز ، وأهل السنة قاطعون بأنها رؤية لا تنافي صفات اللّه تعالى ، وأما ما تبجح به الزمخشري في « الكشاف » فذلك من عدوان تعصبه على مخالفيه على عادته ، وما كان ينبغي لعلماء طريقتنا التنازل لمهاجاته بمثل ما هاجاهم به ، ولكنه قال فأوجب . وأعلم أن سؤال موسى رؤية اللّه تعالى طلب على حقيقته كما يؤذن به سياق الآية وليس هو السؤال الذي سأله بنوا إسرائيل المحكي في سورة البقرة [ 55 ] بقوله :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
وما تمحل به في « الكشاف » من أنه هو ذلك السؤال تكلف لا داعي له . ومفعول
أَرِنِي
محذوف لدلالة الضمير المجرور عليه في قوله :
إِلَيْكَ
. وفصل قوله :
قالَ لَنْ تَرانِي
لأنه واقع في طريق المحاورة . و
لَنْ
يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل ، وهما متقاربان ، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد ، فنفت ( لن ) رؤية موسى ربّه نفيا لا طمع بعده للسائل في الإلحاح والمراجعة بحيث يعلم أن طلبته متعذرة الحصول ، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة . والاستدراك المستفاد من
لكِنِ
لرفع توهم المخاطب الاقتصار على نفي الرؤية بدون تعليل ولا إقناع ، أو أن يتوهم أن هذا المنع لغضب على السائل ومنقصة فيه ، فلذلك يعلم من حرف الاستدراك أن بعض ما يتوهمه سيرفع ، وذلك أنه أمره بالنظر إلى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه ، وهذا يعلم منه أن الجبل سيتوجه إليه شيء من شأن الجلال الإلهي ، وأن قوة الجبل لا تستقر عند ذلك التوجه العظيم ، فيعلم موسى أنه أحرى