تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الجاهلية يعرف بأبي الهميسع هو من شعراء مدين وهو القائل :
إن تمنعي صوبك صوب المدمع * يجري على الخدّ كضئب الثّعثع
من طمحة صبيرها جحلنجع ويقال : إنّ الخطّ العربي أوّل ما ظهر في مدين . وشعيب عليه السّلام هو رسول لأهل مدين ، وهو من أنفسهم ، اسمه في العربيّة شعيب عليه السّلام واسمه في التّوراة : ( يثرون ) ويسمّى أيضا ( رعوئيل ) وهو ابن ( نويلى أو نويب ) بن ( رعويل ) بن ( عيفا ) بن ( مدين ) . وكان موسى عليه السّلام لمّا خرج من مصر نزل بلاد مدين وزوّجه شعيب ابنته المسمّاة ( صفوره ) وأقام موسى عليه السّلام عنده عشر سنين أجيرا . وقد خبط في نسب مدين ونسب شعيب عليه السّلام جمع عظيم من المفسّرين والمؤرّخين ، فما وجدت ممّا يخالف هذا فانبذه . وعدّ الصفدي شعيبا في العميان ، ولم أقف على ذلك في الكتب المعتمدة . وقد ابتدأ الدّعوة بالإيمان لأنّ به صلاح الاعتقاد والقلب ، وإزالة الزّيف من العقل . وبيّنة شعيب عليه السّلام التي جاءت في كلامه : يجوز أن تكون أطلقت على الآية لمعجزة أظهرها لقومه عرفوها ولم يذكرها القرآن ، كما قال ذلك المفسّرون ، والأظهر عندي أن يكون المراد بالبيّنة حجّة أقامها على بطلان ما هم عليه من الشّرك وسوء الفعل ، وعجزوا عن مجادلته فيها ، فقامت عليهم الحجّة مثل المجادلة التي حكيت في سورة هود فتكون البيّنة أطلقت على ما يبيّن صدق الدّعوى ، لا على خصوص خارق العادة ، أو أن يكون أراد بالبيّنة ما أشار إليه بقوله :
فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا
أي يكون أنذرهم بعذاب يحلّ بهم إن لم يؤمنوا ، كما قال في الآية الأخرى
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
[ الشعراء : 187 ] فيكون التّعبير بالماضي في قوله :
قَدْ جاءَتْكُمْ
مرادا به المستقبل القريب ، تنبيها على تحقيق وقوعه ، أو أن يكون عرض عليهم أن يظهر لهم آية ، أي معجزة ليؤمنوا ، فلم يسألوها وبادروا بالتّكذيب ، فيكون المعنى مثل ما حكاه اللّه تعالى عن موسى عليه السّلام :
قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها
[ الأعراف : 105 ، 106 ] الآية ، فيكون معنى :
قَدْ جاءَتْكُمْ
قد أعدّت لأنّ تجيئكم إذا كنتم تؤمنون عند مجيئها .