تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وإضافة ناقة إلى اسم اللّه تعالى تشريف لها لأنّ اللّه أمر بالإحسان إليها وعدم التّعرّض لها بسوء ، وعظّم حرمتها ، كما يقال : الكعبة بيت اللّه ، أو لأنّها وجدت بكيفية خارقة للعادة ، فلانتفاء ما الشأن أن تضاف إليه من أسباب وجود أمثالها أضيفت إلى اسم الجلالة كما قيل : عيسى - عليه السّلام - كلمة اللّه . وأمّا إضافة
أَرْضِ
إلى اسم الجلالة فالمقصود منه أنّ للنّاقة حقّا في الأكل من نبات الأرض لأنّ الأرض للّه وتلك النّاقة من مخلوقاته فلها الحقّ في الانتفاع بما يصلح لانتفاعها . وقوله :
هذِهِ
مقدمة لقوله :
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
أي بسوء يعوّقها عن الرّعي إمّا بموت أو بجرح ، وإمّا لأنّهم لما كذّبوه وكذّبوا معجزته راموا منع النّاقة من الرّعي لتموت جوعا على معنى الإلجاء النّاشئ عن الجهالة . والأرض هنا مراد بها جنس الأرض كما تقتضيه الإضافة . وقد جعل اللّه سلامة تلك النّاقة علامة على سلامتهم من عذاب الاستيصال للحكمة التي قدّمتها آنفا ، وأن ما أوصى اللّه به في شأنها شبيه بالحرم ، وشبيه بحمى الملوك لما فيه من الدّلالة على تعظيم نفوس القوم لمن تنسب إليه تلك الحرمة ، ولذلك قال لهم صالح :
فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
لأنّهم إذا مسّها أحد بسوء ، عن رضى من البقيّة ، فقد دلّوا على أنّهم خلعوا حرمة اللّه تعالى وحنقوا على رسوله عليه السّلام . وجزم
تَأْكُلْ
على أنّ أصله جواب الأمر بتقدير : إن تذروها تأكل ، فالمعنى على الرّفع والاستعمال على الجزم ، كما في قوله تعالى :
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ
[ إبراهيم : 31 ] أي يقيمون وهو كثير في الكلام ، ويشبه أن أصل جزم أمثاله في الكلام العربي على التّوهم لوجود فعل الطّلب قبل فعل صالح للجزم ، ولعلّ منه قوله تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا
[ الحج : 27 ] . وانتصب قوله :
فَيَأْخُذَكُمْ
في جواب النّهي ليعتبر الجواب للمنهي عنه لأنّ حرف النّهي لا أثر له : أي إن تمسّوها بسوء يأخذكم عذاب . وأنيط النّهي بالمس بالسّوء لأنّ المس يصدق على أقل اتّصال شيء بالجسم ، فكلّ ما ينالها ممّا يراد منه السّوء فهو منهي عنه ، وذلك لأنّ الحيوان لا يسوؤه إلّا ما فيه ألم لذاته ، لأنّه لا يفقه المعاني النّفسانيّة .