تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
والعليم أعمّ ، أي : العليم بأحوال الخلق ، والعليم بمواقع كلماته ، ومحالّ تمامها ، والمنظم بحكمته لتمامها ، والموقت لآجال وقوعها . فذكر هاتين الصّفتين هنا : وعيد لمن شملته آيات الذمّ السابقة ، ووعد لمن أمر بالإعراض عنهم وعن افترائهم ، وبالتحاكم معهم إلى اللّه ، والّذين يعلمون أنّ اللّه أنزل كتابه بالحقّ . [ 116 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 116 ]

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) أعقب ذكر عناد المشركين ، وعداوتهم للرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وولايتهم للشّياطين ، ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجنّ والإنس ، واقترافهم السيّئات طاعة لأوليائهم ، وما طمأن به قلب الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم من أنّه لقي سنّة الأنبياء قبله من آثار عداوة شياطين الإنس والجنّ ، بذكر ما يهون على الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمين ما يرونه من كثرة المشركين وعزّتهم ، ومن قلّة المسلمين وضعفهم ، مع تحذيرهم من الثّقة بقولهم ، والإرشاد إلى مخالفتهم في سائر أحوالهم ، وعدم الإصغاء إلى رأيهم ، لأنّهم يضلّون عن سبيل اللّه ، وأمرهم بأن يلزموا ما يرشدهم اللّه إليه . فجملة :
وَإِنْ تُطِعْ
متّصلة بجملة :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ
نبيء
عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] وبجملة :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
[ الأنعام : 114 ] وما بعدها إلى :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[ الأنعام : 115 ] . والخطاب للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم ، والمقصود به المسلمون مثل قوله تعالى :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] . وجيء مع فعل الشّرط بحرف ( إن ) الّذي الأصل فيه أن يكون في الشّرط النّادر الوقوع ، أو الممتنع إذا كان ذكره على سبيل الفرض كما يفرض المحال ، والظاهر أنّ المشركين لمّا أيسوا من ارتداد المسلمين ، كما أنبأ بذلك قوله تعالى :
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا
[ الأنعام : 71 ] الآية ، جعلوا يلقون على المسلمين الشبه والشكوك في أحكام دينهم ، كما أشار إليه قوله تعالى عقب هذا :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
[ الأنعام : 121 ] . وقد روى الطّبري عن ابن عبّاس ، وعكرمة : أنّ المشركين قالوا : « يا محمّد أخبرنا عن الشّاة إذا ماتت من قتلها ( يريدون أكل الشّاة إذا ماتت حتف أنفها دون ذبح ) - قال - اللّه قتلها - فتزعم أنّ ما