تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
. ولذلك أعقبه بتذييله :
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
. فالخطاب موجّه إلى المشركين الذين أمر الرّسول عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم :
أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا
[ الأنعام : 164 ] ؛ وذلك يذكّر بأنّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك . فموقع هذه عقب قوله :
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
[ الأنعام : 164 ] تذكير بالنّعمة ، بعد الإنذار بسلبها ، وتحريض على تدارك ما فات ، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها . ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة ، وتكون الإضافة على معنى اللام ، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكت الأرض فأنتم خلائف للأرض ، فتكون بشارة للأمّة بأنّها آخر الأمم المجعولة من اللّه لتعمير الأرض . والمراد : الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأيا ما كان فهو تذكير بعظيم صنع اللّه ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر . والخلائف : جمع خليفة ، والخليفة : اسم لما يخلف به شيء ، أي يجعل خلفا عنه ، أي عوضه ، يقال : خليفة وخلفة ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، وظهرت فيه التّاء لأنّهم لما صيّروه اسما قطعوه عن موصوفه . وإضافته إلى الأرض على معنى ( في ) على لوجه الأوّل ، وهو كون الخطاب للمشركين ، أي خلائف فيها ، أي خلف بكم أمما مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية عن الرّسل في مخاطبة أقوامهم :
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
[ الأعراف : 69 ] -
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ
[ الأعراف : 74 ] -
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 129 ] . والإضافة على معنى اللام على الوجه الثّاني وهو كون الخطاب للمسلمين . وفي هذا أيضا تذكير بنعمة تتضمّن عبرة وموعظة : وذلك أنّه لمّا جعلهم خلائف غيرهم فقد أنشأهم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم ، فهذه نعمة ، لأنّه لو قدّر بقاء الأمم التي قبلها لما وجد هؤلاء . وعطف قوله :
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
يجري على الاحتمالين في المخاطب بقوله :
جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
فهو أيضا عبرة وعظة ، لعدم الاغترار بالقوّة