من عادة القرآن أنّه إذا أنذر أعقب الإنذار ببشارة لمن لا يحقّ عليه ذلك الإنذار ، وإذا بشّر أعقب البشارة بنذارة لمن يتّصف بضدّ ما بشر عليه ، وقد جرى على ذلك هاهنا :
فإنّه لمّا أنذر المؤمنين وحذرهم من التريّث في اكتساب الخير ، قبل أن يأتي بعض آيات اللّه القاهرة ، بقوله :
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
[ الأنعام : 158 ] فحدّ لهم بذلك حدّا هو من مظهر عدله ، أعقب ذلك ببشرى من مظاهر فضله وعدله . وهي الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها والجزاء على السيّئة بمثلها ، فقوله :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ
إلى آخره استئناف ابتدائي جرى على عرف القرآن في الانتقال بين الأغراض .
فالكلام تذييل جامع لأحوال الفريقين اللذين اقتضاهما قوله :
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
[ الأنعام : 158 ] . وهذا بيان لبعض الإجمال الذي في قوله :
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها
الآية ، كما تقدّم آنفا .
و
جاءَ بِالْحَسَنَةِ
معناه عمل الحسنة : شبه عمله الحسنة بحال المكتسب ، إذ يخرج يطلب رزقا من وجوهه أو احتطاب أو صيد فيجيء أهله بشيء . وهذا كما استعير له اسم التّجارة في قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة : 16 ] .
فالباء للمصاحبة ، والكلام تمثيل ، ويجوز حمل المجيء على حقيقته ، أي مجيء إلى الحساب على أن يكون المراد بالحسنة أن يجيء بكتابتها في صحيفة أعماله .
وأمثال الحسنة ثواب أمثالها ، فالكلام على حذف مضاف بقرينة قوله :
فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
، أو معناه تحسب له عشر حسنات مثل التي جاء بها كما
في الحديث : « كتبها اللّه عنده عشر حسنات »
ويعرف من ذلك أنّ الثّواب على نحو ذلك الحساب كما دلّ عليه قوله :
فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
.
والأمثال : جمع مثل وهو المماثل المساوي ، وجيء له باسم عدد المؤنّث وهو عشر اعتبارا بأنّ الأمثال صفة لموصوف محذوف دلّ عليه الحسنة أي فله عشر حسنات أمثالها ، فروعي في اسم العدد معنى مميّزه دون لفظه وهو أمثال . والجزاء على الحسنة بعشرة أضعاف فضل من اللّه ، وهو جزاء غالب الحسنات ، وقد زاد اللّه في بعض الحسنات أن ضاعفها سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ