تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
جملة :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
عطف على جملة :
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
[ الأنعام : 154 ] . والمعنى : آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب كما تقدّم عند قوله تعالى :
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
[ الأنعام : 154 ] إلخ . . . وافتتاح الجملة باسم الإشارة ، وبناء الفعل عليه ، وجعل الكتاب الذي حقّه أن يكون مفعول :
أَنْزَلْناهُ
مبتدأ ، كلّ ذلك للاهتمام بالكتاب والتّنويه به ، وقد تقدّم نظيره :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
في هذه السّورة [ 92 ] . وتفريع الأمر باتباعه على كونه منزلا من اللّه ، وكونه مباركا ، ظاهر : لأنّ ما كان كذلك لا يتردّد أحد في اتّباعه . والاتّباع أطلق على العمل بما فيه على سبيل المجاز . وقد مضى الكلام فيه عند قوله تعالى :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
[ الأنعام : 50 ] ، وقوله :
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
في هذه السّورة [ 106 ] . والخطاب في قوله :
فَاتَّبِعُوهُ
للمشركين ، بقرينة قوله :
أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا
. وجملة :
أَنْزَلْناهُ
في محلّ الصّفة ل
كِتابٌ
، و ( مبارك ) صفة ثانية ، وهما المقصد من الإخبار ، لأنّ كونه كتابا لا مرية فيه ، وإنّما امتروا في كونه منزّلا من عند اللّه ، وفي كونه مباركا . وحسن عطف :
مُبارَكٌ
على :
أَنْزَلْناهُ
لأنّ اسم المفعول - لاشتقاقه - هو في قوّة الفعل . ومعنى :
اتَّقُوا
كونوا متّصفين بالتّقوى وهي الأخذ بدين الحقّ والعمل به . وفي قوله :
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وعد على اتّباعه وتعريض بالوعيد بعذاب الدّنيا والآخرة إن لم يتّبعوه . وقوله :
أَنْ تَقُولُوا
في موضع التّعليل لفعل
أَنْزَلْناهُ
على تقدير لام التّعليل محذوفة على ما هو معروف من حذفها مع ( أن ) . والتّقدير : لأن تقولوا ، أي لقولكم ذلك في المستقبل ، أي لملاحظة قولكم وتوقّع وقوعه ، فالقول باعث على إنزال الكتاب . والمقام يدلّ على أنّ هذا القول كان باعثا على إنزال هذا الكتاب ، والعلّة الباعثة على شيء لا يلزم أن تكون علّة غائية ، فهذا المعنى في اللّام عكس معنى لام العاقبة ، ويؤول المعنى إلى أنّ إنزال الكتاب فيه حكم منها حكمة قطع معذرتهم بأنّهم لم ينزّل إليهم كتاب ، أو كراهية أن يقولوا ذلك ، أو لتجنّب أن يقولوه ، وذلك بمعونة المقام إيثارا