Skip to main content

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — Page 92

Contributors:

P.92
خطر له في نفسه خاطر أنّه على ضلال منعه إصراره من الإقلاع عنه فلا يزال يهوي به في مهاوي الضلالة حتّى يبلغ به إلى غاية التخلّق بالضلال فلا ينكفّ عنه . وهذا ممّا أشار إليه قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
[ التين : 4 ، 5 ] ، ودلّ عليه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إنّ الرجل ليصدق حتّى يكون صدّيقا وإنّ الرجل ليكذب حتّى يكتب عند اللّه كذّابا » . وكلّ هذا من تصرّف اللّه تعالى بالتكوين والخلق وهو تصرّف القدر . وله اتّصال بناموس التسلسل في تطوّر أحوال البشر في تصرّفات بعقولهم وعوائدهم ، وهي سلسلة بعيدة المدى اقتضتها حكمة اللّه تعالى في تدبير نظام هذا العالم ، ولا يعلم كنهها إلّا اللّه تعالى ، وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه والحثّ عليه وتسهيله فإنّ ذلك من فعل الشيطان ، كما أنّ اللّه قد حرم من أراد إضلاله من انتشاله واللطف به لأنّ ذلك فضل من هو أعلم بأهله . ومفعول
يَشَأِ
محذوف لدلالة جواب الشرط عليه ، كما هو الشائع في مفعول فعل المشيئة الواقع شرطا . والصراط هو الطريق البيّن . ومعنى المستقيم أنّه لا اعوجاج فيه ، لأنّ السّير في الطريق المستقيم أيسر على السائر وأقرب وصولا إلى المقصود . ومعنى ( على ) الاستعلاء ، وهو استعلاء السائر على الطريق . فالكلام تمثيل لحال الذي خلقه اللّه فمنّ عليه بعقل يرعوي من غيّه ويصغي إلى النصيحة فلا يقع في الفساد فاتّبع الدين الحقّ ، بحال السائر في طريق واضحة لا يتحيّر ولا يخطئ القصد ، ومستقيمة لا تطوح به في طول السير . وهذا التمثيل أيضا صالح لتشبيه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّه بها ، كما تقدّم في نظيره . وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] . فالدين يشبه الصراط الموصّل بغير عناء ، والهدي إليه شبيه الجعل على الصراط . [ 40 ، 41 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 40 إلى 41 ]

قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) استئناف ابتدائي يتضمّن تهديدا بالوعيد طردا للأغراض السابقة ، وتخلّله تعريض بالحثّ على خلع الشرك إذ ليس لشركائهم نفع بأيديهم ، فذكّروا بأحوال قد تعرض لهم يلجئون فيها إلى اللّه . وألقي عليهم سأل أيستمرون على الإشراك باللّه في تلك الحالة وهل