تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
لمّا جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرّطوا ناسب أن يذكّر الناس بأنّ الحياة الدنيا زائلة وأنّ عليهم أن يستعدّوا للحياة الآخرة . فيحتمل أن يكون جوابا لقول المشركين :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[ الأنعام : 29 ] . فتكون الواو للحال ، أي تقولون إن هي إلّا حياتنا الدنيا ولو نظرتم حقّ النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعبا ولهوا وليس فيها شيء باق ، فلعلمتم أنّ وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ممّا في الدنيا وإنّما يناله المتّقون ، أي المؤمنون ، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى ، ويكون الخطاب في قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
التفاتا من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة . ويحتمل أنّه اعتراض بالتذييل لحكاية حالهم في الآخرة ، فإنّه لما حكى قولهم :
يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها
[ الأنعام : 31 ] علم السامع أنّهم فرّطوا في الأمور النافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدنيا ، فذيّل ذلك بخطاب المؤمنين تعريفا بقيمة زخارف الدنيا وتبشيرا لهم بأنّ الآخرة هي دار الخير للمؤمنين ، فتكون الواو عطفت جملة البشارة على حكاية النذارة . والمناسبة هي التضادّ . وأيضا في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرّتهم في الدنيا فسوّل لهم الاستخفاف بدعوة اللّه إلى الحق . فيجعل قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
خطابا مستأنفا للمؤمنين تحذيرا لهم من أن تغرّهم زخارف الدنيا فتلهيهم عن العمل للآخرة . وهذا الحكم عامّ على جنس الحياة الدنيا ، فالتعريف في الحياة تعريف الجنس ، أي الحياة التي يحياها كلّ أحد المعروفة بالدنيا ، أي الأولى والقريبة من الناس ، وأطلقت الحياة الدنيا على أحوالها ، أو على مدّتها . واللعب : عمل أو قول في خفّة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل المتعب ، وأكثره أعمال الصبيان . قالوا ولذلك فهو مشتقّ من اللّعاب ، وهو ريق الصبي السائل . وضدّ اللعب الجدّ . واللهو : ما يشتغل به الإنسان ممّا ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال به عقله . فلا يطلق إلّا على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة للشهوة . وبين اللهو واللعب العموم والخصوص الوجهي . فهما يجتمعان في العمل الذي فيه ملاءمة ويقارنه شيء من الخفّة والطيش كالطرب واللهو بالنساء . وينفرد اللعب في لعب