تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
إبراهيم عليه السلام
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً
[ الأنعام : 81 ] ، ومن وراء ذلك إثبات أنّ المتصرّف المطلق في أحوال الموجودات هو اللّه تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنّه محدث الموجودات كلّها في السماء والأرض ، فجعل ذلك في أسلوب تثبيت للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على عدم الخشية من بأس المشركين وتهديدهم ووعيدهم ، ووعده بحصول الخير له من أثر رضى ربّه وحده عنه ، وتحدّي المشركين بأنّهم لا يستطيعون إضراره ولا يجلبون نفعه . ويحصل منه ردّ على المشركين الذين كانوا إذا ذكّروا بأنّ اللّه خالق السماوات والأرض ومن فيهن أقرّوا بذلك ، ويزعمون أنّ آلهتهم تشفع عند اللّه وأنّها تجلب الخير وتدفع الشرّ ، فلمّا أبطلت الآيات السابقة استحقاق الأصنام الإلهية لأنّها لم تخلق شيئا ، وأوجبت عبادة المستحقّ الإلهية بحقّ ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنّهم لا يملكون للناس ضرّا ولا نفعا ، كما قال تعالى :
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
[ المائدة : 76 ] وقال عن إبراهيم عليه السلام :
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
[ الشعراء : 73 ] . وقد هيّأت الجمل السابقة موقعا لهاته الجملة ، لأنّه إذا تقرّر أنّ خالق الموجودات هو اللّه وحده لزم من ذلك أنّه مقدّر أحوالهم وأعمالهم ، لأنّ كون ذلك في دائرة قدرته أولى وأحقّ بعد كون معروضات تلك العوارض مخلوقة له . فالمعروضات العارضة للموجودات حاصلة بتقدير اللّه لأنّه تعالى مقدّر أسبابها ، واضع نظام حصولها وتحصيلها ، وخالق وسائل الدواعي النفسانية إليها أو الصوارف عنها . والمسّ حقيقته وضع اليد على شيء . وقد يكون مباشرة وقد يكون بآلة ، ويستعمل مجازا في إيصال شيء إلى شيء فيستعار إلى معنى الإيصال فيكثر أن يذكر معه ما هو مستعار للآفلة . ويدخل عليه حرف الآلة وهو الباء كما هنا ، فتكون فيه استعارتان تبعيتان إحداهما في الفعل والأخرى في معنى الحرف ، كما في قوله :
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ *
[ الأعراف : 73 ] . فالمعنى : وإن يصبك اللّه بضرّ ، أو وإن ينلك من اللّه ضرّ . والضرّ - بضم الضاد - هو الحال الذي يؤلم الإنسان ، وهو من الشرّ ، وهو المنافر للإنسان . ويقابله النفع ، وهو من الخير ، وهو الملائم . والمعنى إن قدّر اللّه لك الضرّ فهلّا يستطيع أحد كشفه عنك إلّا هو إن شاء ذلك ، لأنّ مقدّراته مربوطة ومحوطة بنواميس ونظم لا تصل إلى تحويلها إلّا قدرة خالقها .