تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
استعمالاته أن يليها جزء الجملة المستفهم عنه كالمنكر هنا ، فالتقديم للاهتمام به ، وهو من جزئيات العناية التي قال فيها عبد القاهر أن لا بدّ من بيان وجه العناية ، وليس مفيدا للتخصيص في مثل هذا لظهور أنّ داعي التقديم هو تعيين المراد بالاستفهام فلا يتعيّن أن يكون لغرض غير ذلك . فمن جعل التقديم هنا مفيدا للاختصاص ، أي انحصار إنكار اتّخاذ الولي في غير اللّه كما مال إليه بعض شرّاح « الكشاف » فقد تكلّف ما يشهد الاستعمال والذوق بخلافه ، وكلام « الكشاف » بريء منه بل الحقّ أنّ التقديم هنا ليس إلّا للاهتمام بشأن المقدّم - ليلي أداة الاستفهام فيعلم أن محلّ الإنكار هو اتّخاذ غير اللّه وليّا ، وأما ما زاد على ذلك فلا التفات إليه من المتكلم . ولعلّ الذي حداهم إلى ذلك أنّ المفعول في هذه الآية ونظائرها مثل
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ
[ الزمر : 64 ]
أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
[ الأنعام : 40 ] هو كلمة
غَيْرَ
المضافة إلى اسم الجلالة ، وهي عامّة في كلّ ما عدا اللّه ، فكان اللّه ملحوظا من لفظ المفعول فكان إنكار اتّخاذ اللّه وليّا لأنّ إنكار اتّخاذ غيره وليّا مستلزما عدم إنكار اتّخاذ اللّه وليّا ، لأنّ إنكار اتّخاذ غير اللّه لا يبقى معه إلّا اتّخاذ اللّه وليّا ؛ فكان هذا التركيب مستلزما معنى القصر وائلا إليه وليس هو بدالّ على القصر مطابقة ، ولا مفيدا لما يفيده القصر الإضافي من قلب اعتقاد أو إفراد أو تعيين ، ألا ترى أنّه لو كان المفعول خلاف كلمة ( غير ) لما صحّ اعتبار القصر ، كما لو قلت : أزيدا أتتّخذ صديقا ، لم يكن مفيدا إلّا إنكار اتّخاذ زيد صديقا من غير التفات إلى اتّخاذ غيره ، وإنّما ذلك لأنّك تراه ليس أهلا للصداقة فلا فرق بينه وبين قولك : أتتّخذ زيدا صديقا ، إلّا أنّك أردت توجّه الإنكار للمتّخذ لا للاتّخاذ اهتماما به . والفرق بينهما دقيق فأجد فيه نظرك . ثم إن كان المشركون قد سألوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتّخذ أصنامهم أولياء كان لتقديم المفعول نكتة اهتمام ثانية وهي كونه جوابا لكلام هو المقصود منه كما في قوله :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
[ الزمر : 64 ] وقوله :
قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
- إلى قوله -
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً
[ الأعراف : 12 ] . وأشار صاحب « الكشاف » في قوله :
أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا
الآتي في آخر السورة إلى أنّ تقديم
غَيْرَ اللَّهِ
على
أَبْغِي
لكونه جوابا عن ندائهم له إلى عبادة آلهتهم . قال الطيبي : لأنّ كل تقديم إمّا للاهتمام أو لجواب إنكار . والوليّ : الناصر المدبّر ، ففيه معنى العلم والقدرة . يقال : تولّى فلانا ، أي اتّخذه ناصرا . وسمّي الحليف وليّا لأنّ المقصود من الحلف النصرة . ولمّا كان الإله هو الذي