تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
من عبادة الأصنام ومن الصّابئيّة عبادة الكواكب وعبادة الشّياطين ، ومجوسيّة الفرس ، وأشياء من اليهوديّة ، والنّصرانيّة ، فإنّ العرب لجهلهم حينئذ كانوا يتلقّون من الأمم المجاورة لهم والّتي يرحلون إليها عقائد شتّى متقاربا بعضها ومتباعدا بعض ، فيأخذونه بدون تأمّل ولا تمحيص لفقد العلم فيهم ، فإنّ العلم الصّحيح هو الذّائد عن العقول من أنّ تعشّش فيها الأوهام والمعتقدات الباطلة ، فالعرب كان أصل دينهم في الجاهليّة عبادة الأصنام وسرت إليهم معها عقائد من اعتقاد سلطة الجنّ والشّياطين ونحو ذلك . فكان العرب يثبتون الجنّ وينسبون إليهم تصرّفات ، فلأجل ذلك كانوا يتّقون الجنّ وينتسبون إليها ويتّخذون لها المعاذات والرّقى ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسمية اللّه على بعض الذبائح . وكانوا يعتقدون أنّ الكاهن تأتيه الجنّ بالخبر من السّماء ، وأنّ الشّاعر له شيطان يوحى إليه الشّعر ، ثمّ إذ أخذوا في تعليل هذه التصرّفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهيّة اللّه تعالى تعلّلوا لذلك بأنّ للجنّ صلة باللّه تعالى فلذلك قالوا : الملائكة بنات اللّه من أمّهات سروات الجنّ ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[ الصافات : 158 ] وقال
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
[ الصافات : 149 - 152 ] . ومن أجل ذلك جعل كثير من قبائل العرب شيئا من عبادتهم للملائكة وللجنّ . قال تعالى : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول
لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
[ سبأ : 40 ، 41 ] . والّذين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه هم قريش وجهينة وبنو سلمة وخزاعة وبنو مليح . وكان بعض العرب مجوسا عبدوا الشّيطان وزعموا أنّه إله الشرّ وأنّ اللّه إله الخير ، وجعلوا الملائكة جند اللّه والجنّ جند الشّيطان . وزعموا أنّ اللّه خلق الشّيطان من نفسه ثمّ فوّض إليه تدبير الشرّ فصار إله الشرّ . وهم قد انتزعوا ذلك من الدّيانة المزدكيّة القائلة بإلهين إله للخير وهو ( يزدان ) . وإله للشرّ وهو ( أهرمن ) وهو الشّيطان . فقوله :
الْجِنَّ
مفعول أوّل
جَعَلُوا
و
شُرَكاءَ
مفعوله الثّاني ، لأنّ الجنّ المقصود من السّياق لا مطلق الشّركاء ، لأنّ جعل الشركاء للّه قد تقرّر من قبل . و
لِلَّهِ
متعلّق ب
شُرَكاءَ
. وقدم المفعول الثّاني على الأوّل لأنّه محلّ تعجيب وإنكار فصار لذلك أهمّ وذكره أسبق . وتقديم المجرور على المفعول في قوله :
لِلَّهِ شُرَكاءَ
للاهتمام والتعجيب من خطل