تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وجعلوا ( ما ) مصدريّة ، أي ذهب زعمكم أنّها تشفع لكم . وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ وأوقع . [ 95 ، 96 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 95 إلى 96 ]

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) استئناف ابتدائي انتقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق اللّه تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة ، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب ، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع اللّه تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة ، فيكون ذلك إبطالا لشرك المشركين من العرب ، وهو مع ذلك إبطال لمعتقد المعطّلين من الدهريين منهم بطريق الأولى ، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
، أي فتكفرون النّعمة . وفيه علم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم . وافتتاح الجملة ب
إِنَّ
مع أنّه لا ينكر أحد أنّ اللّه هو فاعل الأفعال المذكورة هنا ، ولكنّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي ، لمّا كان نظرا دقيقا قد انصرف عنه المشركون فاجترءوا على إنكار البعث ، كان حالهم كحال من أنكر أو شكّ في أنّ اللّه فالق الحبّ والنّوى ، فأكّد الخبر بحرف ( إن ) . وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنّه وصف ذاتي للّه تعالى ، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلّقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال ، ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة اللّه على إخراج الحيّ من الميّت ، والانتقال من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث ، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر . والفلق : شقّ وصدع بعض أجزاء الشّيء عن بعض ، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبت والشّجر وأصولها ، فهو محلّ العبرة من علم اللّه تعالى وقدرته وحكمته . والحبّ اسم جمع لما يثمره النّبت ، واحده حبّة . والنّوى اسم جمع نواة ، والنّواة قلب التّمرة . ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها ينبت شجرها مثل العنب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 230 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور