تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
بعض اليهود وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أنّ قائل ذلك مالك بن الصيف القرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة ، وكان سمينا وأنّه جاء يخاصم النّبيء صلّى اللّه عليه وسلم فقال له النّبيء « أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى أما تجد في التّوراة أنّ اللّه يبغض الحبر السمين » فغضب وقال : واللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء . وعن السدّي : أنّ قائله فنحاص اليهودي . ومحمل ذلك كلّه على أنّ قائل ذلك منهم قاله جهلا بما في كتبهم فهو من عامّتهم ، أو قاله لجاجا وعنادا . وأحسب أنّ هذه الرّوايات هي الّتي ألجأت رواتها إلى ادّعاء أنّ هذه الآيات نزلت بالمدينة ، كما تقدّم في الكلام على أوّل هذه السورة . وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
[ الأنعام : 89 ] الآية ، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين . وحقيقة
قَدَرُوا
عيّنوا القدر وضبطوه أي ، علّموه علما عن تحقّق . والقدر - بفتح فسكون - مقياس الشيء وضابطه ، ويستعمل مجازا في علم الأمر بكنهه وفي تدبير الأمر . يقال : قدر القوم أمرهم يقدرونه - بضمّ الدّالّ - في المضارع ، أي ضبطوه ودبّروه . وفي الحديث قول عائشة : « فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ » . وهو هنا مجاز في العلم الصّحيح ، أي ما عرفوا اللّه حقّ معرفته وما علموا شأنه وتصرّفاته حقّ العلم بها ، فانتصب
حَقَّ
على النّيابة عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو
قَدْرِهِ
، والإضافة هنا من إضافة الصّفة إلى الموصوف . والأصل : ما قدروا اللّه قدره الحقّ . و
إِذْ قالُوا
ظرف ، أي ما قدروه حين قالوا
ما أَنْزَلَ اللَّهُ
لأنّهم لمّا نفوا شأنا عظيما من شؤون اللّه ، وهو شأن هديه النّاس وإبلاغهم مراده بواسطة الرّسل ، قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات اللّه تعالى الّتي هي صفة الكلام ، وجهلوا رحمته للنّاس ولطفه بهم . ومقالهم هذا يعمّ جميع البشر لوقوع النكرة في سياق النّفي لنفي الجنس ، ويعمّ جميع ما أنزل باقترانه ب
مِنْ
في حيز النّفي للدّلالة على استغراق الجنس أيضا ، ويعمّ إنزال اللّه تعالى الوحي على البشر بنفي المتعلّق بهذين العمومين . والمراد ب
شَيْءٍ
هنا شيء من الوحي ، ولذلك أمر اللّه نبيّه بأن يفحمهم باستفهام تقرير وإلجاء بقوله :
مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى
فذكّرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب ، وهو رسالة موسى ومجيئه بالتّوراة وهي تدرس بين اليهود