تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الحكم الحساب ، أي الحكم المعهود يوم القيامة ، فالقصر حقيقي . وربّما ترجّح هذا الاحتمال بقوله عقبه :
وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ
أي ألا له الحساب ، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخّر جزاؤه . وهذا يتضمّن وعدا ووعيدا لأنّه لمّا أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدّمة وكان المخاطبون فريقين : فريق صالح وفريق كافر ، وذكر أنّهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة ؛ فالصالحون لا يحبّون المهلة والكافرون بعكس حالهم ، فعجّلت المسرّة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله :
وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ
. [ 63 ، 64 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 63 إلى 64 ]

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) استئناف ابتدائي . ولمّا كان هذا الكلام تهديدا وافتتح بالاستفهام التقريري تعيّن أنّ المقصود بضمائر الخطاب المشركون دون المسلمين . وأصرح من ذلك قوله :
ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
. وإعادة الأمر بالقول للاهتمام ، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
[ الأنعام : 40 ] الآية . والاستفهام مستعمل في التقرير والإلجاء ، لكون ذلك لا ينازعون فيه بحسب عقائد الشرك . والظلمات قيل على حقيقتها ، فيتعيّن تقدير مضاف ، أي من إضرار ظلمات البرّ والبحر ، فظلمات البرّ ظلمة الليل التي يلتبس فيها الطريق للسائر والتي يخشى فيها العدوّ للسائر وللقاطن ، أي ما يحصل في ظلمات البرّ من الآفات . وظلمات البحر يخشى فيها الغرق والضلال والعدوّ . وقيل : أطلقت الظلمات مجازا على المخاوف الحاصلة في البرّ والبحر ، كما يقال : يوم مظلم إذا حصلت فيه شدائد . ومن أمثال العرب ( رأى الكواكب مظهرا ) ، أي أظلم عليه يومه إظلاما في عينيه لما لاقاه من الشدائد حتّى صار كأنّه ليل يرى فيه الكواكب . والجمع على الوجهين روعي فيه تعدّد أنواع ما يعرض من الظلمات ، على أنّنا قدّمنا في أوّل السورة أنّ الجمع في لفظ الظلمات جرى على قانون الفصاحة . وجملة :
تَدْعُونَهُ
حال من الضمير المنصوب في
يُنَجِّيكُمْ
. وقرئ
مَنْ يُنَجِّيكُمْ
- بالتشديد - لنافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبي عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبي جعفر ، وخلف . وقرأه يعقوب - بالتخفيف - .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 144 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور