تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وطلب ما يوصلهم إلى مرضاة اللّه . وقابل قتالا مذموما بقتال يحمد فاعله عاجلا وآجلا » . والوسيلة : كالوصيلة . وفعل وسل قريب من فعل وصل ، فالوسيلة : القربة ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، أي متوسّل بها أي اتبعوا التقرّب إليه ، أي بالطاعة . و
إِلَيْهِ
متعلّق ب
الْوَسِيلَةَ
أي الوسيلة إلى اللّه تعالى . فالوسيلة أريد بها ما يبلغ به إلى اللّه ، وقد علم المسلمون أنّ البلوغ إلى اللّه ليس بلوغ مسافة ولكنّه بلوغ زلفى ورضى . فالتّعريف في الوسيلة تعريف الجنس ، أي كلّ ما تعلمون أنّه يقرّبكم إلى اللّه ، أي ينيلكم رضاه وقبول أعمالكم لديه . فالوسيلة ما يقرّب العبد من اللّه بالعمل بأوامره ونواهيه . وفي الحديث القدسي : « ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه » الحديث . والمجرور في قوله :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
متعلّق ب
ابْتَغُوا
. ويجوز تعلّقه ب
الْوَسِيلَةَ
، وقدم على متعلّقه للحصر ، أي لا تتوسّلوا إلّا إليه لا إلى غيره فيكون تعريضا بالمشركين لأنّ المسلمين لا يظنّ بهم ما يقتضي هذا الحصر . [ 36 ، 37 ]

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) الأظهر أنّ هذه الجملة متّصلة بجملة
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ المائدة : 33 ] اتّصال البيان ؛ فهي مبيّنة للجملة السابقة تهويلا للعذاب الّذي توعّدهم اللّه به في قوله :
ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ المائدة : 33 ] فإنّ أولئك المحاربين الّذين نزلت تلك الآية في جزائهم كانوا قد كفروا بعد إسلامهم وحاربوا اللّه ورسوله ، فلمّا ذكر جزاؤهم عقّب بذكر جزاء يشملهم ويشمل أمثالهم من الّذين كفروا وذلك لا يناكد كون الآية للسابقة مرادا بها ما يشتمل أهل الحرابة من المسلمين . والشرط في قوله :
لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ
مقدّر بفعل دلّت عليه ( أنّ ) ، إذ التّقدير : لو ثبت ما في الأرض ملكا لهم ؛ فإنّ ( لو ) لاختصاصها بالفعل صحّ الاستغناء عن ذكره بعدها إذا وردت ( أنّ ) بعدها . وقوله
وَمِثْلَهُ مَعَهُ
معطوف على
ما فِي الْأَرْضِ
، ولا حاجة إلى جعله مفعولا معه للاستغناء عن ذلك بقوله
مَعَهُ
. واللام في
لِيَفْتَدُوا بِهِ
لتعليل الفعل المقدّر ، أي لو ثبت لهم ما في الأرض لأجل الافتداء به لا لأجل أن يكنزوه أو يهبوه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 97 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور