تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
تونس بحيله في السرقة ، وكان يحمل السّلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقا بباب سويقة . ومعنى
يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
أنّهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه ، لأنّ السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللّمّ ، قال تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها
[ الإسراء : 19 ] . ويقولون : سعى فلان لأهله ، أي اكتسب لهم ، وقال تعالى :
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
[ طه : 15 ] . وصاحب « الكشاف » جعله هنا بمعنى المشي ، فجعل
فَساداً
حالا أو مفعولا لأجله ، ولقد نظر إلى أنّ غالب عمل المحارب هو السعي والتنقّل ، ويكون الفعل منزّلا منزلة اللازم اكتفاء بدلالة المفعول لأجله . وجوّز أن يكون سعى بمعنى أفسد ، فجعل
فَساداً
مفعولا مطلقا . ولا يعرف استعمال سعى بمعنى أفسد . والفساد : إتلاف الأنفس والأموال ، فالمحارب يقتل الرجل لأحد ما عليه من الثّياب ونحو ذلك . و
يُقَتَّلُوا
مبالغة في يقتلوا ، كقول امرئ القيس : في أعشار قلب مقتّل قصد من المبالغة هنا إيقاعه بدون لين ولا رفق تشديدا عليهم ، وكذلك الوجه في قوله
يُصَلَّبُوا
. والصّلب : وضع الجاني الّذي يراد قتله مشدودا على خشبة ثمّ قتله عليها طعنا بالرّمح في موضع القتل . وقيل : الصّلب بعد القتل . والأول قول مالك ، والثّاني مذهب أشهب والشّافعي . و
مِنْ
في قوله
مِنْ خِلافٍ
ابتدائية في موضع الحال من
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ
، فهي قيد للقطع ، أي أنّ القطع يبتدئ في حال التخالف ، وقد علم أنّ المقطوع هو العضو المخالف فتعيّن أنّه مخالف لمقطوع آخر وإلّا لم تتصوّر المخالفة ، فإذا لم يكن عضو مقطوع سابق فقد تعذّر التخالف فيكون القطع للعضو الأوّل آنفا ثمّ تجري المخالفة فيما بعد . وقد علم من قوله :
مِنْ خِلافٍ
أنّه لا يقطع من المحارب إلّا يد واحدة أو رجل واحدة ولا يقطع يداه أو رجلاه ؛ لأنّه لو كان كذلك لم يتصوّر معنى لكون القطع من خلاف . فهذا التّركيب من بديع الإيجاز . والظاهر أنّ كون القطع من خلاف تيسير ورحمة ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 93 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور