لأقتلنّ الّذي تقبّل اللّه منه . وأمّا التّضادّ فإنّ في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم ، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل ، وإنّ في إحداهما اتّفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر اللّه تعالى ، وفي الأخرى اختلاف أخوين بالصّلاح والفساد .
ومعنى
ابْنَيْ آدَمَ
هنا ولداه . وأمّا ابن آدم مفردا فقد يراد به واحد من البشر نحو :
« يا بن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك » ، أو مجموعا نحو
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ
[ الأعراف : 31 ] .
والباء في قوله :
بِالْحَقِّ
للملابسة متعلّقا ب
اتْلُ
. والمراد من الحقّ هنا الصدق من حقّ الشّيء إذا ثبت ، والصدق هو الثّابت ، والكذب لا ثبوت له في الواقع ، كما قال :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ
[ الكهف : 13 ] . ويصحّ أن يكون الحقّ ضدّ الباطل وهو الجدّ غير الهزل ، أي أتل هذا النبأ متلبّسا بالحقّ ، أي بالغرض الصّحيح لا لمجرد التفكّه واللّهو . ويحتمل أن يكون قوله
بِالْحَقِّ
مشيرا إلى ما خفّ بالقصة من زيادات زادها أهل القصص من بني إسرائيل في أسباب قتل أحد الأخوين أخاه .
و
إِذْ
ظرف زمان ل
نَبَأَ
، أي خبرهما الحاصل وقت تقريبهما قربانا ، فينتصب ( إذ ) على المفعول فيه .
وفعل
قَرَّبا
هنا مشتقّ من القربان الذي صار بمنزلة الاسم الجامد ، وأصله مصدر كالشّكران والغفران والكفران ، يسمّى به ما يتقرّب به المرء إلى ربّه من صدقة أو نسك أو صلاة ، فاشتقّ من القرآن قرّب ، كما اشتقّ من النّسك نسك ، ومن الأضحيّة ضحّى ، ومن العقيقة عقّ . وليس
قَرَّبا
هنا بمعنى أدنيا إذ لا معنى لذلك هنا .
وفي التّوراة هما ( قايين ) - والعرب يسمّونه قابيل - وأخوه ( هابيل ) . وكان قابيل فلّاحا في الأرض ، وكان هابيل راعيا للغنم ، فقرّب قابيل من ثمار حرثه قربانا وقرّب هابيل من أبكار غنمه قربانا . ولا ندري هل كان القربان عندهم يعطى للفقراء ونحوهم أو كان يترك للنّاس عامّة . فتقبّل اللّه قربان هابيل ولم يتقبّل قربان قابيل . والظاهر أنّ قبول قربان أحدهما دون الآخر حصل بوحي من اللّه لآدم . وإنّما لم يتقبّل اللّه قربان قابيل لأنّه لم يكن رجلا صالحا بل كانت له خطايا . وقيل : كان كافرا ، وهذا ينافي كونه يقرّب قربانا .
وأفرد القربان في الآية لإرادة الجنس ، وإنّما قرّب كلّ واحد منهما قربانا وليس هو