تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
عن ضبط الحلال ، لأنّه ممّا تتوجّه النفوس إلى الإحاطة به ، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرّم عليهم من غير ما عدّد لهم في الآيات السابقة ، وقد بيّنّا في مواضع ممّا تقدّم ، منها قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
في سورة البقرة [ 189 ] : أنّ صيغة
يَسْئَلُونَكَ
في القرآن تحتمل الأمرين . فعلى الوجه الأوّل يكون الجواب قد حصل ببيان المحرّمات أوّلا ثم ببيان الحلال ، أو ببيان الحلال فقط ، إذا كان بيان المحرّمات سابقا على السؤال ، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع ، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدّم ذكره . و
الطَّيِّباتُ
صفة لمحذوف معلوم من السياق ، أي الأطعمة الطيّبة ، وهي الموصوفة بالطيّب ، أي التي طابت . وأصل معنى الطيب معنى الطّهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلا وآجلا ، فالشيء المستلذّ إذا كان وخما لا يسمّى طيّبا : لأنّه يعقب ألما أو ضرّا ، ولذلك كان طيّب كلّ شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه . وقد أطلق الطيّب على المباح شرعا ؛ لأنّ إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرّة ، قال تعالى :
كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
[ البقرة : 168 ] . والمراد بالطيّبات في قوله :
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
معناها اللغوي ليصحّ إسناد فعل
أُحِلَّ
إليها . وقد تقدّم شيء من معنى الطيّب عند قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
في سورة البقرة [ 168 ] ، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ
في سورة الأعراف [ 58 ] . و
الطَّيِّباتُ
وصف للأطعمة قرن به حكم التحليل ، فدلّ على أنّ الطّيب علّة التحليل ، وأفاد أنّ الحرام ضدّه وهو الخبائث ، كما قال في آية الأعراف ، في ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[ الأعراف : 157 ] . وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيّبات ؛ فعن مالك : الطيّبات الحلال ، ويتعيّن أن يكون مراده أنّ الحلّ هو المؤذن بتحقّق وصف الطيّب في الطعام المباح ، لأنّ الوصف الطيّب قد يخفى ، فأخذ مالك بعلامته وهي الحلّ كيلا يكون قوله :
الطَّيِّباتُ
حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ ، فيتعيّن ، إذن ، أن يكون قوله :
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
غير مراد منه ضبط الحلال ، بل أريد به الامتنان والإعلام بأنّ ما أحلّه اللّه لهم فهو طيّب ، إبطالا لما اعتقدوه في زمن الشرك : من تحريم ما لا موجب لتحريمه ، وتحليل ما هو خبيث . ويدلّ لذلك تكرّر ذكر الطيّبات مع ذكر الحلال في القرآن ، مثل