تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
ثم ارتقى في التبرّي فقال :
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
، فالجملة مستأنفة لأنّها دليل وحجّة لمضمون الجملة التي قبلها ، فكانت كالبيان فلذلك فصلت . والضمير المنصوب في
قُلْتُهُ
عائد إلى الكلام المتقدّم . ونصب القول للمفرد إذا كان في معنى الجملة شائع كقوله تعالى :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
[ المؤمنون : 100 ] ، فاستدلّ على انتفاء أن يقوله بأنّ اللّه يعلم أنّه لم يقله ، وذلك لأنّه يتحقّق أنّه لم يقله ، فلذلك أحال على علم اللّه تعالى . وهذا كقول العرب : يعلم اللّه أني لم أفعل ، كما قال الحارث بن عبّاد : لم أكن من جناتها علم اللّه وأني لحرّها اليوم صال ولذلك قال :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
، فجملة
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
بيان لجملة الشرط
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
فلذلك فصلت . والنفس تطلق على العقل وعلى ما به الإنسان ، إنسان وهي الروح الإنساني ، وتطلق على الذات . والمعنى هنا : تعلم ما أعتقده ، أي تعلم ما أعلمه لأنّ النفس مقرّ العلوم في المتعارف . وقوله :
وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
اعتراض نشأ عن
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
لقصد الجمع بين الأمرين في الوقت الواحد وفي كلّ حال . وذلك مبالغة في التنزيه وليس له أثر في التبرّي ، والتنصّل ، فلذلك تكون الواو اعتراضية . وإضافة النفس إلى اسم الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يطلع عليه غيره ، أي ولا أعلم ما تعلمه ، أي ممّا انفردت بعمله . وقد حسّنه هنا المشاكلة كما أشار إليه في « الكشاف » . وفي جواز إطلاق النفس على ذات اللّه تعالى بدون مشاكلة خلاف ؛ فمن العلماء من منع ذلك وإليه ذهب السعد والسيد وعبد الحكيم في شروح « المفتاح » و « التخليص » . وهؤلاء يجعلون ما ورد من ذلك في الكتاب نحو
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
[ آل عمران : 28 ] من قبيل المتشابه . ومن العلماء من جوّز ذلك مثل إمام الحرمين كما نقله ابن عرفة في « التفسير » عند قوله تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
في سورة الأنعام [ 54 ] ، ويشهد له تكرّر استعماله في القرآن وكلام النبي صلى اللّه عليه وسلّم كما في الحديث القدسي فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . وقوله :
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
علّة لقوله :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
ولذلك جيء