تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
فيحصل لهم العلمان ،
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
، أي من الشاهدين على رؤية هذه المعجزة فنبلّغها من لم يشهدها . فهذه أربع فوائد لسؤال إنزال المائدة ، كلّها درجات من الفضل الذي يرغب فيه أمثالهم . وتقديم الجارّ والمجرور في قوله
عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
للرعاية على الفاصلة . [ 114 ، 115 ]

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 114 إلى 115 ]

قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) إن كان قوله :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
[ المائدة : 112 ] من تمام الكلام الذي يلقيه اللّه على عيسى يوم يجمع اللّه الرسل كانت هذه الجملة وهي
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً
إلخ . . . معترضة بين جملة
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
[ المائدة : 111 ] وجملة
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
[ المائدة : 116 ] الآية . وإن كان قوله :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ
[ المائدة : 112 ] الآية ابتداء كلام بتقدير فعل اذكر كانت جملة :
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا
الآية مجاوبة لقول الحواريّين
يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
[ المائدة : 112 ] الآية على طريقة حكاية المحاورات . وقوله :
اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً
اشتمل على نداءين ، إذ كان قوله :
رَبَّنا
بتقدير حرف النداء . كرّر النداء مبالغة في الضراعة . وليس قوله :
رَبَّنا
بدلا ولا بيانا من اسم الجلالة ، لأنّ نداء
اللَّهُمَّ
لا يتبع عند جمهور النحاة لأنّه جار مجرى أسماء الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير حتى صار كأسماء الأفعال . ومن النحاة من أجاز اتباعه ، وأيّا ما كان فإنّ اعتباره نداء ثانيا أبلغ هنا لا سيما وقد شاع نداء اللّه تعالى
رَبَّنا
مع حذف حرف النداء كما في الآيات الخواتم من سورة آل عمران . وجمع عيسى بين النداء باسم الذات الجامع لصفات الجلال وبين النداء بوصف الربوبية له وللحواريّين استعطافا للّه ليجيب دعاءهم . ومعنى
تَكُونُ لَنا عِيداً
أي يكون تذكّر نزولها بأن يجعلوا اليوم الموافق يوم نزولها من كلّ سنة عيدا ، فإسناد الكون عيدا للمائدة إسناد مجازي ، وإنّما العيد اليوم الموافق