تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
مُخْرَجُونَ
« 1 » [ المؤمنون : 35 ] . وقوله :
وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ
عطف على
إِذْ أَيَّدْتُكَ
وما عطف عليه . وهذا من أعظم النعم ، وهي نعمة العصمة من الإهانة ؛ فقد كفّ اللّه عنه بني إسرائيل سنين ، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلّة أنصاره ، فصرفهم اللّه عن ضرّه حتى أدّى الرسالة ، ثمّ لمّا استفاقوا وأجمعوا أمرهم على قتله عصمه اللّه منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به ، وماتت نفوسهم بغيظها . وقد دلّ على جميع هذه المدّة الظرف في قوله :
إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ
فإنّ تلك المدّة كلّها مدّة ظهور معجزاته بينهم . وقوله :
فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ
تخلّص من تنهية تقريع مكذّبيه إلى كرامة المصدّقين به . واقتصر من دعاوي تكذيبهم إيّاه على قولهم
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
، لأنّ ذلك الادّعاء قصدوا به التوسّل إلى قتله ، لأنّ حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ السحر عندهم كفر ، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام ، فقد قرنت التوراة السحر وعرافة الجانّ بالشرك ، كما جاء في سفر اللاويّين في الإصحاح العشرين . وقرأ الجمهور :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ
، والإشارة ب
هذا
إلى مجموع ما شاهدوه من البيّنات . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف إلا ساحر . والإشارة إلى عيسى المفهوم من قوله :
إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ
. ولا شك أنّ اليهود قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين وأوقات القول . [ 111 ]

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 111 ]

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) يجوز أن يكون عطفا على جملة
إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[ المائدة : 110 ] ، فيكون من جملة ما يقوله اللّه لعيسى يوم يجمع الرسل . فإنّ إيمان الحواريّين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتّبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدّد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام . والمراد بالوحي إلى الحواريّين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة بتصديقه ، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى . ويجوز أن يكون الوحي الذي أوحي به إلى
هامش
( 1 ) في المطبوعة : ( أإذا متنا وكنّا ترابا وعظاما إنّا لمخرجون ) وهو خطأ .