تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
[ قريش : 1 ، 2 ] . وبذلك كلّه بقيت أمّه العرب محفوظة الجبلّة التي أراد اللّه أن يكونوا مجبولين عليها ، فتهيّأت بعد ذلك لتلقّي دعوة محمد - صلى اللّه عليه وسلّم - وحملها إلى الأمم ، كما أراد اللّه تعالى وتمّ بذلك مراده . وإذا شئت أن تعدو هذا فقل : إنّ الكعبة كانت قياما للناس وهم العرب ، إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتّباع الحنيفية ، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتهم كلّها لم يعدموا عوائد نفعها . فلمّا جاء الإسلام كان الحج إليها من أفضل الأعمال ، وبه تكفّر الذنوب ، فكانت الكعبة من هذا قياما للناس في أمور أخراهم بمقدار ما يتمسّكون به ممّا جعلت الكعبة له قياما . وعطف
الشَّهْرَ الْحَرامَ
على
الْكَعْبَةَ
شبه عطف الخاصّ على العامّ باعتبار كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها ، فإنّ الأشهر الحرم ما اكتسبت الحرمة إلّا من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة كما علمت . فالتعريف في
الشَّهْرَ
للجنس كما تقدّم في قوله تعالى :
وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
[ المائدة : 2 ] . ولا وجه لتخصيصه هنا ببعض تلك الأشهر . وكذلك عطف
الْهَدْيَ
و
الْقَلائِدَ
. وكون الهدي قياما للناس ظاهر ، لأنّه ينتفع ببيعه للحاج أصحاب المواشي من العرب ، وينتفع بلحومه من الحاج فقراء العرب ، فهو قيام لهم . وكذلك القلائد فإنّهم ينتفعون بها ؛ فيتّخذون من ظفائرها مادّة عظيمة للغزل والنسج ، فتلك قيام لفقرائهم ، ووجه تخصيصها بالذكر هنا ، وإن كانت هي من أقلّ آثار الحج ، التنبيه على أنّ جميع علائق الكعبة فيها قيام للناس ، حتى أدنى العلائق ، وهو القلائد ، فكيف بما عداها من جلال البدن ونعالها وكسوة الكعبة ، ولأنّ القلائد أيضا لا يخلو عنها هدي من الهدايا بخلاف الجلال والنعال . ونظير هذا قول أبي بكر « واللّه لو منعوني عقالا » إلخ . . . وقوله :
ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
الآية ، مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله
لِتَعْلَمُوا
. وتوسّط اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار إليه ، وهو الجعل المأخوذ من قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ
، فتوسّط اسم الإشارة هنا شبيه بتوسّط ضمير الفصل ، فلذلك كان الكلام شبيها بالمستأنف وما هو بمستأنف ، لأنّ ما صدق اسم الإشارة هو الكلام السابق ، ومفاد لام التعليل الربط بالكلام السابق ، فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل ،